محمد أبو المجد يكتب:عبد القادر شهيب.. محاربا وزاهدا
قليلون هم الصحفيون الذين يمكن أن نعدهم "كُتَّابا".. وفي الصدارة من "الكُتَّاب المجيدين" يأتي رئيس مجلس إدارة دار الهلال، ورئيس تحرير "المصور" سابقا، عبد القادر شهيب.
في كتابه "شخصيات عرفتُها"، نكتشف بسهولة تامة أن شهيب شخص شفاف، لا تعرف الخصومة الشخصية، وشهوة الانتقام، إلى تفكيره، وتصرفاته سبيلا.
عانى عبد القادر شهيب خلال مسيرته المهنية من العديد من المؤامرات، واصطدم بكثير من كبار المسئولين الذين راودوه للتخلي عن مبادئه، وخيانة مسئولياته، في مقابل مكاسب وإغراءات مادية، يسيل لها لعاب الكثيرين.
يكشف كاتبنا عن حرب ضروس خاضها، بكل شجاعة، وتجرد، ضد وزير المالية في أواخر عهد الرئيس مبارك، الدكتور بطرس غالي، والذي طلب منه التنازل عن مطبعة "دار الهلال"؛ من أجل عيون صهر الوزير، وهو لبناني الجنسية.
هنا، يسجل الكاتب الكبير موقفا للتاريخ، ويتصدى لأطماع غالي، ويقوم بتصعيد الأمر إلى مدير المخابرات عمر سليمان، رحمه الله، فيما يلتف الوزير محاولا "خنق" المؤسسة التي يترأسها شهيب، بالاستيلاء على أهم مواردها ممثلة في حصيلة طباعة كتب وزارة التربية والتعليم. ومع ذلك لا ينحني عبد القادر، بل يصمد صمود بطوليًّا، إلى أن ينتصر في النهاية.
الغريب، أننا لا نلمح، في ثنايا روايته لتفاصيل المعركة الشرسة أي لفظ خارج، أو كلمة مشينة يصم بها خصمه، بل يقوم بتوثيق فصل درامي عايشه في سنوات صعبة، دون أن ينزلق إلى مستنقع "الخناقات" المعتادة، ولا أن تجرفه حمى الخلاف، بل يتحدث عن الوزير الأسبق بكل احترام وموضوعية.
يمثل الزهد في المناصب والكراسي جانبا مهما من شخصية كاتبنا، فهو قد فاجأ الجميع، حتى الرئيس حسني مبارك نفسه، بالتخلي عن منصبه المهم طواعية، وتقديم استقالته من رئاسة "دار الهلال" و"المصور"، والإصرار عليها، ويبرر ذلك "لنا" بأنه كان ينتوي التفرغ لإصدار بعض الكتب!!
تمسك شهيب بالخروج من الباب الكبير، زاهدا في المنصب الضخم، رغم تحذيرات الكثيرين له، والذين صوروا له الاستقالة بأنها بمثابة "خروج من الجنة"، وأنه لن يجد صحيفة كبرى تسمح له بالكتابة فيها!!
رفض عبد القادر، أيضا، منصب "المستشار الإعلامي لرئيس مجلس الشيوخ"، والذي عرضه عليه صفوت الشريف.
وفي مفاجأة مدوية، وبعد إلغاء منصب وزير الإعلام، وتشكيل الهيئات الثلاث؛ المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، والهيئة الوطنية للصحافة، والهيئة الوطنية للإعلام، واختيار كاتبنا لعضوية هيئة الصحافة، فوجئ الوسط الصحفي بأسره، بـ "شهيب" يلقي باستقالته غلى الفور؛ في احتجاج صامت وراق على وضع لا يسمح به تاريخه الزاخر.
باختصار شديد، هذا الكتاب وثيقة دامغة على عصر اتسم بندرة القيم المثلى في التعامل، على كافة المستويات، من رجل الشارع وحتى الوزراء، ورجال الصحافة والإعلام. وقد مثل عبد القادر شهيب، أطال الله في عمره، وثلةٌ من ممتهني الصحافة رموزا للقيم النادرة، والمعادون الأصيلة، والصبغة الراقية.
ومما لا يكاد يعرفه عديدون أن لعبد القادر شهيب الفضل الأوفى، والسهم الأبرز في الإبقاء على منظمة تضامن الشعوب الأفريقية الآسيوية، التي أنشأها الزعيم جمال عبد الناصر، بين عامي 1957، و1958، على قيد الحياة، فقد كانت تلفظ أنفاسها الأخيرة، إثر استقالة الدكتور حلمي الحديدي من رئاستها؛ زهدا ويأسا.
عبد القادر ثابر لحماية المنظمة من أطماع المتربصين، وبعضهم سعى لنقل مقرها من مصر، ونجح شهيب في لم شمل كبار أعضاء اللجنة المصرية للتضامن، وتنظيم مؤتمر لإعلان الثقة في السفير محمد العرابي، رئيسا للمنظمة، وانتخاب الدكتور محمد إحسان، المرشح العراقي، سكرتيرا عاما.
وهذا موقف سيخلده التاريخ ضمن قائمة نجاحات عبد القادر شهيب، وإنجازاته الوطنية.




















.jpeg)


