سامح لاشين يكتب خرائط الدم.. من يبحث عن الحرية ومن يرسم الشرق الأوسط؟
نحن نخلق شرق أوسط جديدًا، لكن ليس كما كان يراه شمعون بيريز بالنظارات الوردية، بل نظامًا جديدًا حقيقيًا قائمًا على القوة (نتنياهو)
لن تمنح الضربات الأمريكية الإسرائيلية “الحرية” للشعب الإيراني، الذي يبحث عنها في تاريخه وحاضره ومستقبله، ولم يحصل عليها ولن يحصل عليها، الشواهد التاريخية تعكس لنا ذلك، ليس فقط في تجارب الدول والشعوب، بل في التجربة الإيرانية ذاتها، والتي تعرضت للاحتلال المزدوج من قبل بريطانيا والاتحاد السوفيتي، فالأولى احتلت الجنوب، والثانية احتلت الشمال، وكانت الذريعة هي استبداد رضا خان وديكتاتوريته، وإنما في حقيقة الأمر كان الصراع الدولي المستعر على إيران بين دول المحور والحلفاء في الحرب العالمية الثانية.
الصراع الذي استهدف السيطرة على إيران في هذه الحرب، فهتلر الذي يطمح للوصول إلى القوقاز وإيران للسيطرة على منابع النفط في عبادان، وبترول الموصل، وحقول الخليج، لتمويل حربه الطويلة ضد الحلفاء، وبريطانيا والسوفيت اللذان يريدان قطع هذا الطريق والاستحواذ على هذه المنابع قبل أن يصل لها أدولف هتلر، وفي 20 أغسطس 1941 دخلت القوات البريطانية إيران، بينما أحكم السوفيت قبضتهم على الشمال.
ولم تكن أمريكا بعيدة عن المشهد، ومع قرار هتلر غزو الاتحاد السوفيتي في 22 يونيو 1941، تحولت إيران إلى شريان إمداد رئيسي للحلفاء، وباتفاق بريطاني أمريكي أُنشئت خط سكة حديد لتسهيل نقل المعونات العسكرية الأمريكية إلى موسكو، وبذلك فاز الحلفاء بإيران، وتمت السيطرة عليها لصالحهم في حربهم أمام دول المحور، وبالأخص ألمانيا.
وكان لـ رضا بهلوي انحيازاته لألمانيا وإعجابه بشخص هتلر وتأثره بتجربته، وهو بالتأكيد ما لم تكن تسمح به بريطانيا وأمريكا، الأمر الذي جعلهما يعزلان رضا بهلوي ويأتيان بنجله محمد رضا بهلوي في أول فصل من فصول لعبة عرش الطاووس في إيران، لم يكن العزل من أجل أن تنال إيران حريتها من رضا بهلوي المستبد والمتأثر بتجربة هتلر، وتنتابه غيرة من تجربة مصطفى كمال أتاتورك في تركيا ويريد أن يصنع مثلها.
لم يكن محمد رضا بهلوي الشاب الذي يبلغ من العمر 21 عامًا عندما تولى العرش ديمقراطيًا، بل يسير على نفس نهج والده، إلا أن بريطانيا وأمريكا هما من أتوا به ليكون دمية يحركانها كيفما يرغبان، وتوارت حجة الديمقراطية، ولم تكن إصابته في محاولة اغتياله في 4 فبراير 1949 سوى ذريعة لتشتد قبضته الحديدية ويعلن الأحكام العرفية على البلاد، مما ترتب عليه زيادة الاحتقان.
وتصاعدت المعارضة بشدة، وعلى رأسها الجبهة الوطنية بقيادة محمد مصدق، التي رفعت شعار تأميم شركة البترول الإنجليزية الإيرانية، مما اضطر معه الشاه في مايو 1951 إلى تعيين مصدق رئيسًا للوزراء لامتصاص الغضب الشعبي، لكنه مضى أبعد مما توقع الشاه والغرب، أمم النفط، وقلص نفوذ القصر، ووضع الجيش تحت سلطة الحكومة، وأجبر الشاه على مغادرة البلاد إلى إيطاليا مطلع 1953.
هنا كان الشعب يبحث عن حريته ويرغب في استرداد ثروته المنهوبة من قبل بريطانيا العظمى، إلا أن هذا ليس على هوى القوى العظمى التي ترغب في السيطرة على إيران وثروتها، فدبرت أجهزة الاستخبارات الأمريكية بقيادة كيرميت روزفلت الابن انقلابًا على محمد مصدق، وذلك بتعاون أطراف من الجيش موالين للشاه، وبالخيانة نجح الانقلاب، وتقدم مصدق للمحاكمة بملابس نومه، وعاد الشاه محمد رضا بهلوي من إيطاليا، فأين إذن الحرية في هذه اللحظة؟ لكن استطاعت الولايات المتحدة الأمريكية أن تقاسم بريطانيا حصة من البترول الإيراني وصلت إلى 40%، بعدما كانت تستهدف الحركة الوطنية استرداد وتأميم ثرواتها.
لم يكن طيلة سنوات حكم الشاه محمد رضا بهلوي سوى بحث الشعب الإيراني عن الحرية، لكن القبضة الحديدية حرمته من ذلك، وتصاعدت حركات الاحتجاج والمظاهرات التي يحركها رجال الدين، وظهر روح الله الخميني على سطح الأحداث في منتصف الستينيات من القرن الماضي، ونفاه الشاه خارج إيران، وعاش الخميني في النجف بالعراق 15 عامًا، إلا أن صدام حسين أبرم اتفاقًا مع الشاه، وعندما صعد نجم صدام طرد الخميني، مما جعل الأخير يلجأ إلى فرنسا.
كل المؤشرات كانت تؤكد أن الشعب الإيراني يتجه للثورة على الشاه، الذي توترت علاقته بأمريكا، وبالأخص بعد انتهاء اتفاقية الكونسورتيوم النفطي في 31 يوليو 1973، ألغى الشاه الاتفاق، وهو ما كان مقررًا في عقود الامتياز، منهياً بذلك هيمنة الشركات الأجنبية، لم يكن القرار على هوى واشنطن أو لندن، ومع تدهور الأوضاع الاقتصادية وتصاعد الاحتجاجات، بدأ النظام يتآكل من الداخل.
توترت العلاقات أكثر بين الشاه والولايات المتحدة الأمريكية، وبالأخص مع إدارة كارتر، واندلعت الثورة في عام 1979، وعاد الخميني من فرنسا، وتمكن من اختطاف الثورة، وأسس للجمهورية الإسلامية القائمة على أيديولوجية عقائدية دينية ثورية تستند على انتظار الإمام الغائب وولاية الفقيه، وفقدت إيران حريتها مع هذه النظرية.
وفي سردية التاريخ، استهدف الخميني تصدير الثورة، وبدأ صراع النفوذ في المنطقة، وسخر كل ثروة إيران لتحقيق هذا المشروع، مما نتج عنه إفقار الشعب الإيراني الباحث عن ثروته وحريته، واستمر علي خامنئي على نفس النهج، بلا شك أن هذا المشروع اصطدم بالعرب وأمريكا وإسرائيل، تلك الأخيرة التي لديها مشروع توسعي وتريد رسم خريطة الشرق الأوسط، فكانت سنوات الصدام والصراع الذي وصل ذروته وتحول من مواجهة الميليشيات إلى حرب مباشرة تجعل إيران تنزف بشدة وتصبح جريحة ومنهكة وصولًا لإسقاط النظام بأكمله.
هذا عن الماضي والحاضر وسردية البحث عن الحرية، فماذا عن المستقبل؟ في تصوري لن تؤدي ضربات الولايات المتحدة الأمريكية للنظام في إيران بهدف تكسيره وصولًا لإسقاطه إلى منح الحرية لهذا الشعب واسترداد ثروته، بل الضربات لا تستهدف منح الحرية، ولا تستهدف صالح العرب الذين يهتفون لإسقاط إيران بسبب طبيعة نظامها، ولا للذين يرفضون إسقاطها باعتبارها نموذجًا للممانعة والمقاومة، الضربات تستهدف رسم خرائط نتنياهو للمنطقة وأحلامه، بل هي أحلام اليمين الحاكم التي لا تنتهي، والتي يرى فيها دونالد ترامب حضورًا لذاته الخرقاء، فهما يعملان سويًا على رسم الخريطة بقلم أحمر مليء بالدماء.
الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران أوضحت إلى أي مدى نعيش في منطقة تعيسة وبائسة، منطقة مليئة بالنزاعات والاستبداد تجعلنا لا نتفق على شيء، منطقة مليئة بالاستقطابات بين أكثر من فسطاط، لكن الثابت أن كل منا ينظر من زاوية ضيقة محدودة، والثابت الوحيد في كل هذا أن إسرائيل تمضي قدمًا في خرائطها، وسنبقى نحن في نزاعات الشرق القديمة وأعراقه وطوائفه وقبائله وأيديولوجياته المتناحرة.


















.jpeg)


