بوابة الدولة
الجمعة 27 مارس 2026 09:49 مـ 8 شوال 1447 هـ
رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحريرصالح شلبي
مستشار التحريرمحمود نفادي
بوابة الدولة الاخبارية

الدكتور عمرو الدمرداش يكتب : هيكلة التعليم الجامعي في مصر.. من ”رقمنة الأدوات” إلى سيادة الإنسان

الدكتور عمرو الدمرداش
الدكتور عمرو الدمرداش

بينما ينشغل العالم بتطبيقات الثورة الصناعية الرابعة (Industry 4.0)، تقف مصر اليوم على أعتاب تحول أعمق وأكثر إنسانية، يتجلى في ملامح الثورة الصناعية الخامسة (Industry 5.0)، تلك الثورة التي تعيد الإنسان إلى موقعه الطبيعي في قلب العملية الإنتاجية، لا بوصفه ترساً في آلة، بل سيداً للقرار وقائداً للتطوير، فالتكنولوجيا لم تعد غاية في ذاتها، بل أداة في يد الإنسان، يتكامل بها عقله مع قدرات الآلة، في تناغم يصنع قيمة حقيقية ويصون كرامة العمل.
ولا يكفي أن نكسو منظومتنا التعليمية بطلاء رقمي لامع، بينما يبقى جوهرها تقليدياً جامداً، إذ لا بد من إعادة تعريف مخرجات التعليم نفسها، فنحن لا نحتاج إلى مبرمجين يعيشون في جزر معرفية معزولة عن واقع مجتمعهم، بل إلى عقول تقنية تعمل في قلب الحقول والمصانع والورش، حيث تتحول المعرفة إلى إنتاج، والفكرة إلى قيمة مضافة، فمهندس الزراعة الذكية يجب أن يجمع بين عقل رقمي قادر على تحليل البيانات، ويد خضراء تفهم طبيعة الأرض ودوراتها، كما أن مستقبل الصناعة التحويلية والحرف التراثية يتوقف على قدرتنا على دمج مهارة الصانع المصري المتوارثة مع دقة تقنيات الـCNC والذكاء الاصطناعي، بما يرفع جودة المنتج ويحفظ الخامات من الهدر، ويعيد للحرفة المصرية مكانتها في الأسواق المحلية والعالمية.
إن أخطر ما قد يقع فيه التخطيط التعليمي هو التعامل مع التكنولوجيا بوصفها بديلاً عن الإنسان، لأن هذا المسار لا يصنع اقتصاداً حقيقياً، بل يزرع بذور بطالة تكنولوجية قد تنفجر في أي لحظة، وتُفقد المجتمع هويته الإنتاجية، ومن هنا تأتي أهمية أنسنة التكنولوجيا، بحيث يتحول الإنسان من مجرد منفذ للأوامر إلى مدير ومبتكر للعملية التقنية، وتصبح الآلة شريكاً يعزز قدراته لا منافساً يسلبه فرصه، وهو ما يضمن أن يسير التطور التكنولوجي جنباً إلى جنب مع الاستقرار الاجتماعي، لا على حسابه.
ولا يمكن لأي دولة تسعى إلى نهضة حقيقية أن تبني اقتصادها على ما يمكن تسميته بالتخصصات السحابية وحدها، فهناك قطاعات راسخة تمثل عصب الأمن القومي، وفي مقدمتها الزراعة والصناعة والنقل والسياحة والصحة، وهذه القطاعات هي التي يلمس المواطن أثرها المباشر في غذائه ومسكنه وخدماته اليومية، ومن ثم فإن الدور الأصيل للتكنولوجيا في الجامعات يجب أن يتجه إلى خدمة هذه القطاعات، عبر رفع كفاءتها، وتقليل فاقدها، وزيادة إنتاجيتها، لا أن تنصرف الجهود إلى تخصصات نظرية معزولة عن واقع السوق واحتياجاته.
ولكي تتحول هذه الرؤية إلى مسار عملي، فإن إعادة هيكلة البرامج الجامعية لم تعد ترفاً فكرياً، بل ضرورة وطنية، ويأتي في مقدمة هذه الخطوات استحداث برامج بينية حديثة تجمع بين التخصصات، مثل هندسة الزراعة الذكية، وتكنولوجيا التصنيع الحرفي، والذكاء الاصطناعي الصناعي، ونظم النقل الذكي، إلى جانب تبني معادلة تعليمية متوازنة تقوم على توزيع متكافئ بين الدراسة النظرية والتدريب الميداني، بحيث يقضي الطالب نصف رحلته التعليمية في القاعات الدراسية، ونصفها الآخر في مواقع الإنتاج الحقيقية، داخل المصانع والمزارع والورش، فيتعلم وهو يلامس الواقع، ويفهم السوق قبل أن يلتحق به.
كما أن بناء شراكات حقيقية بين الجامعات وقطاعات الإنتاج يجب أن يصبح قاعدة لا استثناءً، حتى يتحول البحث العلمي من أوراق محفوظة في الأدراج إلى حلول عملية تعالج مشكلات الصناعة والزراعة، وتسهم في تطويرها، فيشعر المجتمع بأن الجامعة ليست برجاً عاجياً منعزلاً، بل عقل الأمة المفكر ومحركها المعرفي.
وفي النهاية، يبقى الرهان الحقيقي على الإنسان المصري، فمستقبل هذا الوطن لن تصنعه برمجيات معزولة خلف الشاشات، بل سواعد تمتلك مهارة في اليد ووعياً رقمياً في العقل، وهي المعادلة التي تضع الإنسان في موقع السيادة، وتجعل من التكنولوجيا خادماً لمشروعه الوطني لا بديلاً عنه، ولذلك فإن الدعوة إلى هذا المسار ليست رفضاً للحداثة، بل سعياً إلى توطينها وتأميمها معرفياً، حتى تصبح أداة لبناء إنسان مصري قادر على الإبداع والإنتاج والمنافسة في عالم لا يرحم المتأخرين.
إذا أحببت، أستطيع أيضاً إعداد نسخة أقصر للنشر في صفحة رأي بجريدة، أو نسخة أشد حدة وسخرية خفيفة تناسب أسلوبك الصحفي المعروف في نقد السياسات التعليمية.

كاتب المقال الدكتور عمرو الدمرداش الخبير التربوي أستاذ بجامعة دمنهور

موضوعات متعلقة

أسعار العملات

متوسط أسعار السوق بالجنيه المصرى26 مارس 2026

العملة شراء بيع
دولار أمريكى 52.7577 52.8566
يورو 60.8455 60.9753
جنيه إسترلينى 70.3524 70.5107
فرنك سويسرى 66.5209 66.6792
100 ين يابانى 33.0583 33.1265
ريال سعودى 14.0620 14.0898
دينار كويتى 172.0173 172.3959
درهم اماراتى 14.3621 14.3949
اليوان الصينى 7.6331 7.6487