مجمع اللغة العربية يستغيث، أزمة هيكلية تهدد الريادة اللغوية و”الشافعي” يكشف تفاصيل أضخم مشروع عالمي
في صرخة استغاثة تدق ناقوس الخطر بشأن مستقبل الهوية اللغوية، كشف الدكتور عبد الحميد مدكور، الأمين العام لمجمع اللغه العربيه بالقاهره، عن أزمة هيكلية حادة تهدد كيان "مجمع الخالدين"، بعد تراجع عدد أعضائه إلى النصف نتيجة توقف الانتخابات وتراكم التحديات التشريعية، محذرا من أن هذا الشلل الإداري لا يهدد فقط انتظام سير العمل داخل أعرق مؤسسة لغوية في العالم العربي، بل يضع أيضًا ريادة مصر التاريخية في قيادة المجامع اللغوية العربية على المحك.
تحديات متزايدة تواجه اللغة العربية
وتأتي هذه التحذيرات في وقت تواجه فيه اللغه العربيه تحديات متزايدة، مع تصاعد مظاهر التهميش في ميادين التعليم والإعلام والحياة العامة، ما يفاقم المخاوف من تراجع دور المؤسسات المعنية بحماية "لغة الضاد" وصون مكانتها.
وقال الدكتور مدكور لـ"فيتو": المجمع يعمل حاليا بنصف طاقته البشرية فقط، حيث لا يشغل مقاعد العضوية سوى 20 عضوا من أصل 40، وذلك بسبب توالي الوفيات بين الأعضاء دون تعويضهم، موضحا أن المجمع لم يجر انتخابات منذ عام 2020 نتيجة تداعيات أزمة كورونا، وإجراء انتخابات جديدة بانتظار إقرار مشروع قانون إعادة تنظيم المجمع المنظور أمام مجلس النواب.
وفي ظل هذا الفراغ، يتولى الدكتور مدكور تسيير الأعمال المالية والإدارية بتفويض مؤقت من المجلس عقب وفاة رئيس المجمع السابق الدكتور عبد الوهاب عبد الحافظ، وذلك لضمان استمرارية العمل وتجنب الشلل الإداري، رغم انتهاء مدته القانونية.
وشدد الأمين العام على أن استمرار هذا الإهمال يهدد مكانة مصر الإقليمية، قائلا: “مجمع القاهرة هو رئيس كافة المجامع العربية، وفقدان أعضائه يعني فقدان هذه الرئاسة والقيادة”، مشيرا إلى أن ريادة مصر تجلت في قيادة مشروع "المعجم التاريخي"، ورئاسة اتحاد المجامع اللغوية.
وأكد أن اكتمال العدد المطلوب (20 عضوا إضافيا) هو حق مشروع للحفاظ على هذا الصرح، وأن الدولة تملك كامل الحق في وضع الضوابط التي تراها مناسبة لإجراء الانتخابات دون تعطيلها.
وانتقل الدكتور مدكور للحديث عن الأزمات التي تحاصر اللغة العربية في عقر دارها، ملخصا إياها في نقاط جوهرية، ولعل أبرزها هو غياب اللغة العربية عن المناهج الجامعية، حتى في أقسام اللغة العربية التي باتت تدرس بالعامية.
كما أشار إلى تراجع حضور الفصحى في الإعلام الرسمي، حيث تقتصر على نشرات الأخبار بينما تسيطر العامية على الحوارات والبرامج، هذا بالإضافة إلى توغل اللغات الأجنبية في المعاملات البنكية، وتذاكر الطيران، والإعلانات، لافتا إلى أنه من حق المواطن المصري الحصول على الخدمات بلغته الأم، مستشهدا بتجربة نقابة الأطباء في كتابة النشرات الدوائية باللغتين كنموذج يجب تعميمه.
وأكد أن المحتوى العربي على الشبكة العنكبوتية ووسائل التواصل ضئيل جدا مقارنة بالإنجليزية والفرنسية، مطالبًا بضخ نتاج فكري وعلمي عربي لتعزيز سيادة المحتوى الرقمي.
وطالب أمين مجمع الخالدين الدولة بإصدار قانون ملزم لحماية اللغة العربية واحترامها، منتقدًا عقد المؤتمرات الدولية في مصر باللغة الإنجليزية حصرا، وهو ما لا يحدث في دول مثل فرنسا أو روسيا التي تعتز بلغتها القومية مع توفير الترجمة.
كما عبر عن قلقه من وضع الأطفال في المدارس الأجنبية، حيث يعاملون اللغة العربية كلغة غريبة، ويتم تحذيرهم من التحدث بها أو بالعامية داخل المدرسة، مما يؤدي إلى جيل يجهل هويته وتاريخه وشعرائه، متابعا: "نحن لا نحارب العامية فهي لغة الشارع والحياة، لكن يجب أن تظل الفصحى لغة العلم والتعليم والإعلام الرسمي".
حسن الشافعي: المعجم التاريخي أضخم مشروع لغوي عالمي
ومن جانبه، أكد الدكتور حسن الشافعي، الرئيس الأسبق لمجمع اللغة العربية بالقاهرة ورئيس مؤتمره السنوي، أن الدورة الثانية والتسعين للمؤتمر تمثل محطة تاريخية مفصلية مع اقتراب المجمع من إتمام قرن كامل من العطاء.
وأوضح الشافعي أن هذا المحفل العلمي السنوي يتجاوز في تأثيره الحدود المحلية، ليصبح منصة دولية يشارك فيها باحثون وممثلون عن كافة المجامع العربية.
وسلط الدكتور الشافعي خلال حديثه مع “بوابه الدوله”، الضوء على واحد من أهم الإنجازات اللغوية في العصر الحديث، وهو "المعجم التاريخي للغة العربية" الصادر عن اتحاد المجامع اللغوية العربية بالشارقة.
ووصف الشافعي هذا المشروع بأنه الأكبر من نوعه على مستوى العالم، حيث صدر في 127 مجلدا، ليرصد تطور الألفاظ العربية منذ نشأتها في العصر الجاهلي وصولا إلى الوقت الراهن، وهو إنجاز كانت تفتقده العربية مقارنة باللغات العالمية الكبرى.
لغة لملياري إنسان وتحديات العولمة
وشدد الشافعي على أن اللغة العربية ليست مجرد أداة تواصل، بل هي وعاء للإبداع والهوية لأكثر من ملياري مسلم حول العالم، يعيشون بها شعائرهم ويتفهمون من خلالها قضايا حياتهم ورؤيتهم للكون.
وحذر في الوقت ذاته من تحديات العولمة التي تسعى لفرض سيادة اللغة الإنجليزية على حساب اللغات الوطنية، منتقدا تراجع دور الأسرة والمدرسة في التنشئة اللغوية الصحيحة، وظاهرة الاعتماد المتزايد على المربيات الأجنبيات التي تضعف لغة الأجيال الناشئة.
أزمة الهيكل الإداري والتمثيل العلمي
واستعرض الدكتور الشافعي الأزمات الداخلية التي تلاحق مجمع الخالدين، محذرا من حالة الضعف الناتجة عن رحيل عدد كبير من أعضائه دون تعويضهم بانتخابات جديدة، مشيرا إلى أن استمرار العمل بنظام التفويض الإداري المؤقت يمثل عائقا أمام طموحات المجمع العلمية.
وطالب الرئيس الأسبق لمجمع اللغة العربية بالقاهرة ورئيس مؤتمره السنوي، الأجهزة المسؤولة في الدولة بضرورة الاهتمام بهذا الجهاز المؤسسي وتدعيمه بالكوادر العلمية اللازمة لضمان بقاء صوته مسموعا على المستوى العالمي.
واختتم رئيس المؤتمر حديثه بتوجيه دعوة إلى وسائل الإعلام، معتبرا إياها الجسر الذي يربط بين المجمع والجمهور، مؤكدا أن المسؤولية تقع الآن على عاتق الإعلام لتحريك وعي الأمة وحثها على الاعتزاز بلسانها وثقافتها، مشيرًا إلى أن الحفاظ على الهوية اللغوية هو صمام الأمان الوحيد في مواجهة موجات التغريب الثقافي.





















.jpeg)


