محمود الشاذلى يكتب : من القلب .. عندما يكون التميز خطيئة ندرك أننا فى خطر داهم .
نعــم .. لدينا أزمه مجتمعيه خطيره تتعلق بوأد الكفاءات ، وسحق الرموز ، وتهميش النابغين فى تخصصهم ، تجلى ذلك فى مواقع كثيره بدولاب العمل الإدارى خاصة بمديريات الخدمات ، والذى تجلى منذ يومين بتكليف اللواء محمد عبدالفتاح رئيس مجلس الإدارة والعضو المنتدب لشركة مياه الشرب والصرف الصحي بالغربيه للقيام بأعمال رئيس مجلس الإدارة والعضو المنتدب لشركة مياه الشرب والصرف الصحي بكفر الشيخ ، رغم ماحققه من إنجازات ، وأدركته بشأن ماحدث مع قياده محليه رفيعه هى أبرز القيادات إدارة وفهما وعلما وتخصصا ، حيث تم إنزالها فجأه من موقعها الرفيع إلى موقع وظيفى لايتناسب على الإطلاق مع كفاءتها وتاريخها الوظيفى ، مما نبهنى لخطورة تلك القضيه ، الذى يتعين أن يدركها الدكتور مصطفى مدبولى رئيس الوزراء ، والدكتوره منال عوض وزيرة التنميه المحليه بما لديهم من خبره كبيره ، وحس وطنى رفيع ، وأداء محترم ، خاصة وأن هذا النهج من الطبيعى أن يخلف معه مسئولين ضعاف أياديهم مرتعشه ، ليسوا أصحاب قرار ، كهذا المسئول الرفيع الذى تولى مسئولية مديرية خدمات بالغربيه والذى كثيرا ماكشفنا ضعفه ، وسوء إدارته لكنه صدر للأسف الشديد لقياداته ووزيره ومن عمل معه من المحافظين أن مرجع ذلك أنه جهبز وأن من إنتقده حاقدين عليه ، المصيبه أنهم صدقوه وقد يكون قد أقنعهم أن من إنتقده من الزملاء الصحفيين خاصة شخصى الضعيف يريدون إزاحته ليتولى أحدنا المسئوليه مكانه ، وإذا بعد رحيله تتكشف الحقائق ، ونزرف الدمع على ماآلت إليه الأمور فى هذا القطاع الهام ، الأمر الذى معه أدركنا يقينا هذا الإنحدار الشديد فى البنيه الأساسيه للقيادات ، والفشل الذريع فى مواجهة الأزمات التى أصبحت تتعاظم بدرجه مخيفه ، حتى باتت نقطة ضعف خطيره جعلت المجتمع فى خطر ، تلاحقه الأزمات لعدم وجود شخصيات قادره على تجاوزها ، هذا كله عمل على تقزيم كل شيىء ، وإنزواء القامات رغم كثرتهم وخبرتهم الطويله والكبيره ، وإبتعاد الكفاءات طوعا أو كرها عنهم بعد تهميشهم أو نقلهم لوظائف أقل من قدراتهم بعد أن كانوا يتصدرون الوظائف الرفيعه ، وهذا مصاب جلل لاشك فى ذلك ، عظم هذا سلوك الناس أنفسهم ، وهذا التطاحن الغير مبرر الذى طال الجميع حتى أصبح نهج حياه ومنطلق تعامل .
نظرا لأن تلك القضيه من أخطر مايواجهه المجتمع المصرى ، حيث تؤثر سلبا على وطننا الغالى ، يتعين أن تناولها ، بوضوح وشفافيه ومسئوليه ، وحس وطنى ، وموضوعيه وتجرد ، لعلنا نستطيع تصويب الخلل ، ورأب الصدع ، وتدارك الأمر ، خاصة بعد التنامى البشع لهذا النهج ، الذى يختلف تماما مجتمعيا مع البيئة التى تربيت فيها منذ الصبا فى كنف عائله تعظم الكفاءات وتدفع بنا للإبداع ، والتعايش مع الإحترام إنطلاقا من مرحلة الشباب ، وإدراك قيمة الدفع بالكفاءات ، والفخر بالنوابغ المتميزين ، ورعايتهم ، وإحتضانهم ليكونواإضافة جيده للمجتمع ، ولاأنسى أبدا القول الشهير لأستاذى العظيم الكاتب الصحفى الكبير النائب مصطفى شردى قبل 42 عاما مضت فى بداية عملى فى بلاط صاحبة الجلاله الصحافه " أريد أن أكون رئيسا على كبار ، وليس رئيسا على أقزام " لذا منحنى وأبناء جيلى من الصحفيين الذين تتلمذنا على يديه الفرصه مبكرا لتولى المسئوليه فى مواقع صحفيه رفيعه ثقة منه بعد إعدادنا الإعداد الجيد ، وبفضل الله أثبتنا وجودنا اليوم وقبل سابق ، حيث دفع بنا للأمام ، لذا قدم جيلى للمجتمع قامات ، ونوابغ صحفيه رفيعه فى كافة التخصصات ، بعكس ماأتعايشه اليوم من أبناء هذا الجيل من العاملين فى كل موقع وظيفى .
خطورة الأمر جسدته بإبداع الدكتوره مروة إبراهيم أستاذ الإدارة بـأكاديمية السادات للعلوم الإدارية ، وخبيرة التدريب المتخصصة في تأهيل القيادات ، وتطوير الأداء ، حيث أكدت أنه في الغالب لا يتم محاربة الشخص المتميز بصورة مباشرة ، بل بصورة هادئة وخفية ، لأن أصحاب المصالح لا يريدون الظهور كخصوم واضحين ، لذلك يلجؤون إلى أساليب ملتوية تستنزف الشخص نفسياً ومهنياً حتى يفقد طاقته أو يقرر الرحيل بنفسه ، وجاءت بإستخدام أبرز الأساليب والحيل المستخدمة للضغط عليه عبر نهج نبيل يتم الترويج له وهو إختيار القيادات التى لديها كفاءه ، لذا يتم التشكيك في أصحاب الكفاءه الحقيقيين ، والتقليل من كفاءتهم وإنجازاتهم ، فيتم وصف نجاحهم بأنه مجرد مبالغة أو نتيجة للظروف وليس بسبب إجتهادهم الحقيقي ، وذلك لخداع الوزير المختص ، والمحافظين المعنيين ، ومعهم بالتالى الأجهزه المعنيه ، ولترسيخ ذلك يتم إستبعاد القيادات المتميزه الواعيه الذين من الطبيعى إستبعادهم عن الإجتماعات المهمة ، ليكونوا بعيدين عن صنع القرار ، ودائرة الضوء ، خاصة هؤلاء الذين يتم النظر فى أمر التجديد لهم فى الوظائف القياديه ، وبالتالى يتم التشكيك في كفاءتهم ، وذلك بتصويرهم أنهم فى صراع مع الموظفين ، ويفتقرون للمرونه ، وبذلك لايكون التحفظ منطلقه عملهم إنما شخصهم أيضا فتسيطر العزله على أنفسهم فيبتعدوا طواعية قبل أن يطالهم الإستبعاد بالتهميش ، فى رهان على الضعف النفسى ، من خلال النقد المستمر ، والتقليل من حجم الإنجازات ، وتضخيم الأخطاء الصغيرة ، وتجاهل النجاحات ، وخلق أجواء توتر دائمة ، بإستخدام أسلوب الإستفزاز غير المباشر ، فيعيش هؤلاء الأشخاص المتميزون في حالة إستنزاف نفسي مستمر تجعلهم يفقدون الشعور بالأمان الوظيفي والراحة النفسية .
يضاف إلى ذلك وفقا للرؤية الرائعه للدكتوره مروة إبراهيم يتم تكليفهم بمهام مرهقة أو مستحيلة ، من خلال تحميلهم مهام فوق طاقتهم فيخفقون فيها ويتم إظهارهم بصورة المقصرين فينعتون بالفاشلين ، وبالنسبه للقيادات الذين لايكون هناك رغبه فى التجديد لهم رغم أنهم من الكفاءات الحقيقيه يتم تهميشهم وسحب صلاحياتهم حتى يشعرون بأن وجودهم بلا قيمة ، ولتعميق ذلك يتم الدفع بأصحاب المصالح لإحباطهم ، تحقيقا لمبدا "إما أن تكون معنا أو ضدنا " ، فإذا رفض الشخص أن يكون طوع أمر القيادة المباشره ، يصبح هدفاً للهجوم الجماعي والتضييق المستمر ، والترويج أنهم أشخاص غير متعاونين ، متمردين ، يسببون الأزمات ، ويهددون إستقرار العمل ، بينما هؤلاء الأشخاص المعنيين الذين هم فى الحقيقه أشخاص يحاولون الحفاظ على المهنية والعدالة داخل المؤسسة ، إلا أنه لتعميق ذلك يتم حرمانهم من التقدير والفرص ، حتى لا يتحولون إلى نموذج يحتذى به ، لذا يتم تجاهل مجهودهم ، وتعطيل ترقياتهم ، وإستبعادهم من الفرص المهمة ، ومنح الإمتيازات لمن هم أقل كفاءة ولكن أكثر ولاءًا وبذلك يتم إرسال رسالة غير مباشرة مفادها أن الكفاءة وحدها لا تكفي ، يضاف إلى ذلك إستنزافهم حتى يرحلوا بأنفسهم وهذه هي المرحلة الأخطر ، لأنه بذلك يتم خلق بيئة عمل طاردة مليئة بالصراعات والضغوط النفسية حتى يصل هؤلاء الأشخاص إلى مرحلة يشعرون فيها بالعجز النفسي والإرهاق الدائم ، وعندها يقررون الرحيل حفاظاً على صحتهم النفسية وكرامتهم المهنية . من أجل ذلك تكمن المشكلة الحقيقية كما ترى الباحثه الدكتوره مروه إبراهيم فى أن المؤسسات التي تحارب أصحاب الكفاءة والنزاهة تدفع ثمناً باهظاً على المدى الطويل ، لأنها تخلق بيئة تطرد المبدعين أصحاب الضمير ، القادة الحقيقيين ، أصحاب الفكر والتطوير ، في المقابل تفتح المجال لأصحاب المصالح والشللية والولاءات الشخصية ، ومع مرور الوقت تصبح المؤسسة ضعيفة من الداخل ، حتى وإن بدت مستقرة من الخارج .
رسخ ذلك لمبدأ خطير مؤداه أن التميز خطيئه ، لذا يتم تفريغ المؤسسات من الكفاءات الحقيقية وإستبدالهم بأشخاص موالين أو غير مؤهلين ، وتجنيب المتميزين وسحقهم ، وذلك إنطلاقا من النهج الإدارى الذى يرسخ الأخذ برأى المسئول الأعلى فيما يتعلق بمن يعملون معه دون نقاش ، أو دراسه ، أو حتى فحص أى تظلم يتقدم به أحدا من الكفاءات المهمشه فأصبح الحاكم بأمره ، يبقى أن الذى أذهلنى مؤخرا ماأدركته بمرور الأيام من إنعدام للكفاءات ، مما ترتب عليه أن أصبح الكيان هش ضعيف وهذا مؤلم بحق ، ترتب عليه هذا المستوى الضعيف لمديرى الإدارات بالعديد من المديريات ، وذلك إنعكاسا لضعف هو فى المكون الرئيسى لمن يقود تلك المنظومه ، وذلك لينفرد هذا المسئول المحلى بالقرار لأن الرأى وفقا لذلك هو كما يرى ، فيصبح رئيسا على أقزام ، فأدركت للحظه أن من يتولون القياده فى الإدارات المختلفه قيادات ضعيفه هشه لاقرار لهم ، ولاوعى ولاخبره لديهم ، وهذا منحنى خطر ، لكن ثقتى كبيره فى أن يطال التصويب الكيانات الإداريه التى طالها هذا الضعف ، رهانا على قيادات رفيعه وزراء ومحافظين بمالديهم من رؤيه وفهم للأمور ، ومقدره على الوقوف على كافة التفاصيل ، وهذا لن يتحقق على الإطلاق بصراحه شديده إلا إذا تواصلوا أكثر من ذلك بشكل مباشر مع فئات المجتمع المختلفه خاصة الذين لديهم رؤية ، وعلى إلمام كامل بما يدور فى الدهاليز ، لكن هذا لن يتأتى إلا بتغيير نمط ونهج بتلك المنظومه الإداريه العتيقه التى يحدد معالمها رغبة المعاونين ، الذين يحددون مساحة ومسافة القرب والنقاش ، وليس قصر الأمر على الإستماع للمواطنين فى الجولات الذين بعدها لايعرفون كيف يلتقون المحافظ .
خلاصة القول .. هذا الوضع المأساوى يعكس إستراتيجيه سياسية وتاريخية لدى البعض تُعرف أحياناً بسوء الإدارة المتعمده تعظيما للأنا ، وإنطلاقا من عشق الذات ، حيث تتولى قيادات ليس لديها كفاءه إدارة مرافق مهمه خاصة بالمحافظات ، وهذا يؤدي بشكل مباشر إلى عدة عواقب كارثية تتجلى فى إنهيار الكفاءة مما يؤدى إلى أن تتراجع جودة الخدمات الأساسية مثل الصحة ، والتعليم ، والإقتصاد بسبب غياب الرؤية والتخطيط السليم ، وغياب الرقابة والمحاسبة ، مما يتيح للمسئولين إستغلال مناصبهم لتحقيق مكاسب شخصية على حساب المصلحة العامة ، وإتساع الفجوة المجتمعيه مما يولد حالة من الإحباط وفقدان الإنتماء ، كما يؤدي هذا إلى سوء الإدارة إلى ترهل الأداء ، وضعف القيادات ، تراجع قوة الدولة وهيبتها داخلياً وخارجياً، مما يجعلها عرضة للإنهيار أو التدخلات الخارجية .
الكاتب الصحفى محمود الشاذلى نائب رئيس تحرير جريدة الجمهوريه عضو مجلس النواب السابق .

























