النائب أحمد قورة يكتب: الرئيس السيسي يحذر من المساس بالدستور والعبث بوعي المصريين
في لحظات فارقة من تاريخ الأوطان، لا تكون المعركة دائمًا على الأرض أو عند الحدود، وإنما قد تكون معركة وعي وإدراك وذاكرة، تستهدف عقول المواطنين وثقتهم في دولتهم وقدرتهم على التمييز بين الحقائق والشائعات، وهو ما عكسته بوضوح كلمة الرئيس عبد الفتاح السيسي، خلال الندوة التثقيفية الرابعة والأربعين للقوات المسلحة بعنوان «وطن الأبطال»، بمناسبة الذكرى الثالثة والخمسين لانتصارات أكتوبر المجيدة، حين أكد أن الحفاظ على الدولة المصرية وصون استقرارها مسؤولية وطنية مشتركة، وأن حماية وعي المصريين لا تقل أهمية عن حماية حدود الوطن ومقدراته.
لقد حمل حديث الرئيس السيسي رسائل بالغة الأهمية، تتجاوز حدود الاحتفال بذكرى انتصار عسكري عظيم، لتضع أمام المصريين حقيقة أن معركة بناء الدولة لا تنتهي بتحقيق انتصار أو تجاوز أزمة، وإنما تستمر عبر مراحل متعاقبة من العمل والصبر وتحمل المسؤولية، وأن الأمم التي تحافظ على ذاكرتها الوطنية وتتمسك بحقائق تاريخها تكون أكثر قدرة على مواجهة التحديات، مهما بلغت صعوبتها.
ومن هنا جاءت تحذيرات الرئيس من محاولات التشكيك في انتصارات أكتوبر المجيدة أو التقليل من قيمتها، عبر حملات التضليل والشائعات التي تنتشر من خلال وسائل التواصل الاجتماعي وغيرها من الأدوات الإعلامية الحديثة، فالتشكيك في التاريخ ليس مجرد اختلاف في وجهات النظر، وإنما يصبح خطرًا عندما يتحول إلى محاولة متعمدة لطمس الحقائق وتزييف الوعي وإضعاف ثقة الأجيال الجديدة في تضحيات الآباء والأجداد، الذين قدموا أرواحهم ودماءهم دفاعًا عن الأرض والكرامة الوطنية.
إن نصر أكتوبر سيظل شاهدًا على قدرة المصريين على تجاوز المستحيل عندما تتوحد إرادتهم وتتكامل جهودهم، فقد أثبتت القوات المسلحة المصرية أن الإرادة الوطنية والعلم والتخطيط والتضحية قادرة على تغيير موازين المعادلة، واستعادة الأرض وصون الكرامة، ومن ثم فإن الحفاظ على هذه الذاكرة ليس مجرد واجب تجاه الماضي، بل هو استثمار في وعي الأجيال القادمة، حتى تدرك أن الأوطان لا تُبنى بالشعارات وحدها، وإنما بالعمل والتضحية والإخلاص.
الدستور خط أحمر.. والدولة فوق المصالح الضيقة
ومن أبرز الرسائل التي حملها حديث الرئيس السيسي تأكيده أن للدولة دستورًا وافق عليه المصريون، وأنه لا يجوز العبث به، في إشارة واضحة إلى أهمية احترام الدستور باعتباره الإطار المنظم للحياة السياسية والمؤسسية، والمرجعية التي تحدد الحقوق والواجبات وتضبط العلاقة بين مؤسسات الدولة والمجتمع.
إن احترام الدستور وترسيخ دولة المؤسسات يمثلان أساس الاستقرار السياسي، ويجب أن يظلا محل توافق وطني، بعيدًا عن محاولات توظيف الخلافات أو استغلال الأزمات لتحقيق مصالح ضيقة، فالدولة القوية هي التي تستند إلى مؤسسات راسخة وقواعد واضحة، وتتيح للمواطنين التعبير عن آرائهم في إطار القانون، وتحافظ في الوقت ذاته على أمن المجتمع واستقرار مؤسساته.
ولعل الدرس الأهم الذي ينبغي أن نتوقف أمامه هو أن الاختلاف السياسي لا ينبغي أن يتحول إلى وسيلة لهدم الدولة أو تعطيل مؤسساتها، وأن التنافس على إدارة شؤون البلاد يجب أن يظل محكومًا بإرادة الشعب واحترام الدستور والقانون، لأن بقاء الدولة واستمرار مؤسساتها يمثلان الضمانة الأساسية لاستمرار الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية.
2011 و2013.. دروس لا يجوز تجاهلها
وعندما استعرض الرئيس السيسي بعضًا من الأحداث التي مرت بها مصر قبل عام 2013، وما شهدته البلاد من اضطرابات وتحديات سياسية واقتصادية وأمنية، فإنه أعاد التذكير بمرحلة لا تزال آثارها حاضرة في الذاكرة الوطنية، وهي مرحلة كشفت حجم المخاطر التي يمكن أن تتعرض لها الدول عندما تتراجع الثقة وتتسع الانقسامات ويصبح الصراع على السلطة مقدمًا على مصالح المواطنين واستقرار مؤسسات الدولة.
وقد أشار الرئيس إلى ما تحملته مصر من أعباء في مواجهة الإرهاب، موضحًا أن تكلفة هذه المواجهة تجاوزت 120 مليار جنيه، إلى جانب التضحيات التي قدمها أبناء القوات المسلحة والشرطة والمدنيون، وهي تضحيات تؤكد أن الحفاظ على الأمن والاستقرار لم يكن أمرًا سهلًا، وإنما جاء نتيجة جهود ممتدة ومواجهات قاسية دفع فيها الوطن ثمنًا باهظًا.
وهنا يجب التأكيد أن استحضار هذه المرحلة لا يعني تجاهل التحديات التي لا تزال تواجه المواطنين، ولا التقليل من أهمية المطالبة بتحسين مستوى المعيشة وتطوير الخدمات وتوسيع فرص العمل، وإنما يعني إدراك أن الإصلاح الاقتصادي والاجتماعي يحتاج إلى بيئة مستقرة ومؤسسات قادرة على العمل، وأن معالجة الأزمات تتطلب رؤية واقعية وتعاونًا بين الدولة والمجتمع، بعيدًا عن الفوضى والشائعات وترويج اليأس.
لقد شدد الرئيس على أن الحفاظ على الدولة يمثل أولوية، وأن التحديات الاقتصادية يمكن التعامل معها من خلال العمل والصبر، وهي رسالة ينبغي أن تتكامل مع ضرورة مواصلة الإصلاح وتخفيف الأعباء عن المواطنين، لأن قوة الدولة الحقيقية لا تقاس فقط بقدرتها على مواجهة المخاطر، وإنما أيضًا بقدرتها على تحسين حياة شعبها وتحقيق تطلعاته المشروعة.
العمل والصبر طريق بناء المستقبل
ولم يكن تأكيد الرئيس السيسي أن الواجب الوطني قبل حرب أكتوبر كان العمل، وأن الواجب الوطني اليوم هو العمل أيضًا، مجرد استدعاء لتجربة تاريخية، وإنما هو تحديد واضح لطبيعة المرحلة التي تحتاج فيها مصر إلى مضاعفة الإنتاج وتحسين الأداء وتعزيز الاعتماد على القدرات الوطنية.
فالدول لا تتقدم بالأمنيات، ولا تستطيع مواجهة التحديات الاقتصادية المتراكمة دون إنتاج حقيقي واستثمارات جادة وإدارة فعالة للموارد، كما أن بناء المستقبل يتطلب مشاركة الجميع، من المسؤول إلى العامل، ومن المعلم والطبيب إلى المهندس والفلاح، ومن المؤسسات الاقتصادية إلى مؤسسات المجتمع المدني، فكل موقع عمل يمثل جزءًا من معركة التنمية.
وقد أشار الرئيس إلى أن مصر شهدت محاولات للإصلاح الاقتصادي منذ سبعينيات القرن الماضي، وأنها تواصل تنفيذ برامج تستهدف تعزيز قدراتها وتحقيق التنمية، وهو ما يؤكد أن الإصلاح مسار طويل يحتاج إلى الاستمرارية والتقييم والتصحيح، وأن نتائجه ترتبط بمدى القدرة على تحويل الخطط إلى إنجازات يشعر المواطن بأثرها في حياته اليومية.
ومن المهم في هذا السياق أن يكون الوعي الوطني دافعًا إلى العمل والإنتاج والمشاركة، لا مجرد حالة من الجدل حول الأحداث، فالمواطن الواعي هو الذي يدرك حقوقه وواجباته، ويتحقق من المعلومات قبل تداولها، ويميز بين النقد المسؤول الذي يستهدف الإصلاح وبين حملات التضليل التي تسعى إلى بث الفوضى وإضعاف الثقة في المجتمع.
الأمن القومي المصري والخليجي.. مصير واحد
وفي جانب آخر من حديث الرئيس السيسي، برز التأكيد على ثوابت السياسة الخارجية المصرية، سواء فيما يتعلق بأمن سيناء أو طبيعة العلاقات مع إسرائيل في إطار معاهدة السلام، أو الموقف المصري الداعم لحل الدولتين باعتباره سبيلًا لتحقيق سلام عادل ودائم في المنطقة.
وقد أكد الرئيس أن مصر لا تحمل مطامع تجاه أحد، وأن أولويتها الأساسية تتمثل في الحفاظ على أمنها القومي وحدودها ومقدرات شعبها، وهي رسالة تعكس تمسك الدولة المصرية بسياسة تقوم على حماية المصالح الوطنية واحترام الالتزامات الدولية، مع الحفاظ على الحقوق والثوابت التي لا تقبل التفريط.
كما جاءت الإشارة إلى دعم الأشقاء في دول الخليج لتؤكد عمق الروابط التي تجمع مصر بمحيطها العربي، حيث شدد الرئيس على أن الأمن القومي لدول الخليج جزء لا يتجزأ من الأمن القومي المصري، وأن القاهرة تدعم الجهود الرامية إلى خفض التصعيد وتأمين الملاحة وتحقيق الاستقرار في المنطقة.
وهذه الثوابت تكتسب أهمية خاصة في ظل ما تشهده المنطقة من أزمات وتوترات، بما يفرض ضرورة تغليب الحلول السياسية والدبلوماسية، وتجنب التصعيد الذي يدفع المدنيون والاقتصادات الوطنية ثمنه، والعمل على حماية الأمن العربي باعتباره مصلحة مشتركة تتطلب التنسيق والتعاون بين الدول الشقيقة.
«حصنوا بلدكم».. رسالة إلى كل مصري
إن الرسالة التي اختتم بها الرئيس السيسي حديثه، حين دعا المصريين إلى الانتباه إلى وطنهم والحفاظ عليه، تختصر جوهر المسؤولية الوطنية في هذه المرحلة، فمصر ليست مسؤولية مؤسسة بعينها أو جهة واحدة، وإنما هي مسؤولية شعب بأكمله، تتطلب من كل مواطن أن يؤدي دوره بإخلاص، وأن يدرك أن استقرار الوطن وحماية مقدراته يرتبطان بوعي أبنائه وتماسكهم وقدرتهم على تجاوز الخلافات.
وأرى أن بناء الوعي الوطني يجب أن يبدأ من الأسرة والمدرسة والجامعة، ويمتد إلى المؤسسات الإعلامية والثقافية والدينية، بحيث يصبح احترام الحقيقة والتحقق من المعلومات والتفكير النقدي جزءًا أصيلًا من ثقافة المجتمع، لأن مواجهة الشائعات لا تكون بالصوت المرتفع وحده، وإنما بالمعلومة الصحيحة والخطاب المسؤول والشفافية والقدرة على إقناع المواطنين بالحقائق.
كما أن الحفاظ على الدولة لا يتعارض مع النقد البناء أو المطالبة بالإصلاح، بل إن الدولة القوية هي التي تستفيد من النقد المسؤول وتعمل على معالجة أوجه القصور، وتفتح المجال أمام الكفاءات والأفكار الجديدة، وتمنح الشباب الأمل في مستقبل أفضل، فالوطن الذي نريده هو وطن آمن ومستقر، وفي الوقت نفسه قادر على تحقيق التنمية والعدالة وتكافؤ الفرص.
وفي النهاية، فإن حديث الرئيس السيسي في ذكرى انتصارات أكتوبر يضع أمامنا حقيقة لا ينبغي أن تغيب عن الأذهان، وهي أن انتصار أكتوبر كان ثمرة إرادة وطنية وعمل وتخطيط وتضحية، وأن الحفاظ على مكتسبات الوطن واستكمال مسيرة بنائه يحتاج إلى الروح ذاتها، وإلى وعي يحمي الذاكرة الوطنية من التزييف، وإرادة تواجه التحديات، وعمل جاد يترجم الانتماء إلى إنجازات ملموسة.
حفظ الله مصر وشعبها، ووفق أبناءها إلى ما فيه الخير والاستقرار والتنمية، وجعل مصلحة الوطن فوق كل اعتبار، لتظل مصر قادرة على حماية أرضها وصون مقدراتها وبناء مستقبل يليق بتضحيات أبنائها وتاريخها العريق.
كاتب المقال النائب أحمد قورة عضو لجنة النقل والمواصلات بمجلس النواب السابق













