بوابة الدولة
بوابة الدولة الاخبارية

الدكتور سمير غطاس يكتب: التمصير خيار صادم لكنه واقعي لمستقبل غزة

سمير غطاس
-

عندما تتجه هذه الحرب العدوانية الدموية على غزة إلى نهايتها وليس غدًا أو بعد غد بطبيعة الحال تبدأ كل الأطراف في التحضير بشكل أكثر جدية لما يسمى باليوم التالي وهو ما بدأته بالفعل إدارة ترامب حين عقدت اجتماعات لاستكمال مشروع "ريفيرا غزة" الذي يستهدف إعادة صياغة شكل القطاع سياسيًا وجغرافيًا واقتصاديًا بينما يعرض نتنياهو شراكة كاملة على الأمريكيين في هذا المشروع وتتحرك أوساط اليمين الإسرائيلي لإحياء حلم استعادة مستوطنات مثل غوش قطيف ونتساريم بل وربما ضم مناطق شمالية مثل بيت لاهيا وبيت حانون وهو ما يعني أن ما يجري الآن ليس مجرد عدوان تقليدي بل مقدمة لتغيير شامل في المشهد

وفي ظل هذا الطوفان الذي أغرق غزة في الدم والدمار والتجويع لم يعد من اللائق أن يواصل العرب الاحتماء في خنادقهم الصوتية المعتادة من بيانات إدانة وشجب وشعارات تنديد لا تسمن ولا تغني من جوع بل صار من الضروري التوجه إلى رفض عملي إيجابي يواجه التحدي بمشروع بديل

لقد بدأت مصر في رسم خط أحمر واضح يوقف خلفه مخطط الاقتلاع والتهجير وأعلنت عن مشروع لإعادة إعمار غزة يقوم على تثبيت أهلها فوق أرضهم وليس مجرد ترميم ما تهدم كما تسعى السعودية إلى تدويل الحراك السياسي وتحريك ملف حل الدولتين في المحافل الدولية بينما تستعد السلطة الفلسطينية عبر لجنة أكاديمية بدعم مصري لتدريب كوادر أمنية وإدارية تكون مؤهلة لتولي إدارة القطاع في المرحلة المقبلة

لكنني أقول وبوضوح إن كل هذه الجهود رغم أهميتها تبدو حتى الآن غير كافية أو غير قادرة بمفردها على وقف المخطط الأخطر الذي لا يهدد غزة وحدها بل القضية الفلسطينية بأكملها ومن هنا تبدو الحاجة ملحة للبحث في خيارات استراتيجية بديلة خارج الأطر التقليدية

وأطرح هنا خيارًا صعبًا قد يبدو صادمًا لكنه واقعي وموضوعي وهو خيار التمصير أو التوافق على صيغة قانونية انتقالية تتيح لمصر نوعًا من الوصاية المؤقتة على قطاع غزة بهدف حماية الأرض والسكان وضمان بقاء القطاع فلسطينيًا ومنع تفكيكه أو تحويله إلى ملف إنساني معزول أو مشروع استثماري تابع لأجندات دولية وإقليمية

أعلم تمامًا أن هذا الخيار سيثير نقاشًا وجدالًا وربما اعتراضات لكنه في ظل انسداد الأفق وانهيار المسارات التقليدية يبدو لي الخيار الأجدى والأكثر منطقية لتحويل حزمة التحديات الحالية إلى فرص وطنية وقومية تحفظ الكيانية الفلسطينية وتمنع سقوط غزة في فخ التقسيم أو الإلحاق

إن اللحظة التاريخية التي نعيشها لا تحتمل المزيد من الانتظار أو الاكتفاء بالشعارات وإذا لم نسارع إلى طرح البدائل فسيفرض علينا الآخرون حلولًا لا تترك لنا سوى دور المتفرج على ضياع ما تبقى من فلسطين

فلنفكر بجرأة ومسؤولية قبل أن يفوت الأوان