د. رحاب عبد المنعم تكتب: العمل التطوعي وإدارة الابتكار

تتجاوز مبادرات العمل التطوعي حدود النظريات والنماذج العلمية؛ بما تكتظ به من قوالب نمطية وأطر فكرية ثابتة؛ انطلاقا من فرضية انبثاقها من القيم الإنسانية المجردة، وفطرتها السليمة؛ كأصول بشرية متنامية التطور والتنظيم الذاتي؛ ما يجعلها قادرة على تسخير كافة الموارد المادية؛ بمختلف القطاعات ومجالات الأعمال.
ويرتكز جوهر العمل التطوعي على مزيج فريد من ملامح الإبداع الوظيفي، التي تعد ضمانةً رئيسة لتنفيذ رؤى التكافل والتضامن الاجتماعي، والتبي تتطلب من المتطوع التحلي بمقومات الاستقلالية، والانتماء الوظيفي، والتطوير المهني الذاتي؛ كي يكون مؤهلًا على إنتاج وتوليد الأفكار والمبادرات، فضلًا عن طرح حلول غير تقليدية للمشكلات.
هذا المزيج الإبداعي من عناصر الابتكار والتفكير الخلّاق؛ يفرض علي الكيانات الاجتماعية أو السياسية أن تتبنى إستراتيجيات ممنهجة لاحتضان هذه الكوادر، وغرس ثقافة العمل التطوعي؛ على نحو مواز من بناء جسور الثقة والاستقلالية في نفوسهم، من خلال إعلاء قيم النزاهة، والشفافية، وحرية التعبير، والسماح بسهولة ووفرة سريان المعلومات داخل الكيانات المؤسسية؛ لتقليل احتمالات الشك والتوتر، واتخاذ القرارات الإستراتيجية الصائبة؛ لصالح أطراف العمل التطوعي: المواطن، المؤسسة، المتطوع.
هذا الفكر التنموي الرشيد؛ يواكب السياسات والاتجاهات الإدارية المعاصرة الساعية نحو ترسيخ مفاهيم الاستدامة البيئية، والتوجه الريادي الأخضر، وتطبيق مفاهيم وممارسات الموارد البشرية الخضراء؛ تلك الرؤى المنبثقة من عدسة الإلهام الفكري لنظريات العلاقات العامة، والمسئولية الاجتماعيةالموجه نحو الموظف أو المتطوع نفسه، من خلال المشاركة الفعالة في صناعة القرارات الإدارية بالمؤسسة؛ وتصميم نوافذ ومنتديات حوارية مفتوحة بين المتطوعين وذويهم ومع جماعات المصالح؛ لتدعيم شبكات الإتصال الداخلية والخارجية غير الرسمية بينهم.
كما تتطلب ركائز الارتقاء برأس المال النفسي والفكري للمتطوع ضرورة إيمان صناع القرار بأهمية تقديم الدوافع والمتغيرات التحفيزية المتعددة للعاملين؛ وتشجيعهم على استقلالية قراراتهم، وغرس معاني الثقة والتفاؤل بينهم نحو مستقبل الكيان وفرص الارتقاء والتدرج الإداري العادل، ومن ثم تحسين أدائهم، واستنفار قواهم الذهنية والعملية، واستثمار كفاءتهم في الارتقاء بجودة مخرجات العمل والإنتاج.
هذه اللمسة الإبداعية لا يمكن تعليمها أو اكتسابها بالمناهج والمقررات التعليمية وحدها؛ التي بلا شك تصقل وتنمي هذه الموهبة؛ التي يمنحها الله تعالى لمن يشاء، وتمثل دومًا قدرةً ابتكاريةً للقائد الناجح والموهوب، هذا المايستر القادر على احتضان المبتكرين، وتنمية مهاراتهم، ودرء الأزمات قبل حدوثها، وتمهيد سبل العمل والتنمية، وتجفيف منابع الشك والريبة بين العاملين؛ لتحويل أخطاء العمل العفوية لفرص تنظيمية مثمرة؛ بل لمزايا تنافسية؛ ترجح كفة مؤسسته، وتسمو بقيمها الإنسانية، قبل مخرجاتها الإنتاجية، ومؤشراتها المهنية.

