النائب أحمد قورة يكتب: مجلس الشيوخ يفتح أخطر الملفات .. حين تصبح حماية الطفولة قضية أمن قومي

لم يكن انعقاد الجلسة العامة لمجلس الشيوخ،اليوم برئاسة المستشار عصام الدين فريد، مجرد جلسة برلمانية إعتيادية ، بل جاءت لتؤكد أن هناك قيادة حكيمة تدرك أن أخطر التحديات لا تُقابل بالصمت أو التأجيل، وأن حماية عقول الأطفال لم تعد ملفًا هامشيًا، بل باتت في قلب الأمن المجتمعي والوطني.
رئاسة المستشار عصام فريد، الذي أدار الجلسة بهدوء القاضي وحكمة رجل الدولة، فتح المجلس واحدًا من أخطر الملفات المرتبطة بمستقبل المجتمع، ملف مخاطر الإنترنت والسوشيال ميديا والألعاب الإلكترونية على الأطفال، في مشهد يعكس تطور دور مجلس الشيوخ كغرفة تفكير استراتيجي لا تكتفي بالمشاهدة، بل تبادر بالفعل وتدق ناقوس الخطر في التوقيت المناسب.
وجاءت مداخلة المستشار محمود فوزي، وزير الشؤون النيابية والقانونية والتواصل السياسي، متزنة وواعية، حين أكد أن التكنولوجيا ليست شرًا مطلقًا، وأن هناك ألعابًا إلكترونية تُنمّي الذكاء والثقافة، لكن الخطر الحقيقي يكمن في غياب الرقابة الأسرية والتشريعية، وترك الأطفال فريسة لمحتوى عنيف أو إباحي دون ضوابط.
واستشهاد الوزير بالتجارب الدولية، من أستراليا التي فرضت قيودًا صارمة على مواقع التواصل الاجتماعي للأطفال، إلى البرازيل التي واجهت الإدمان الرقمي والتنمر الإلكتروني بقوانين حظيت بإشادة دولية، وصولًا إلى موقف اللاعب العالمي كريستيانو رونالدو بمنع نجله من استخدام الهاتف قبل سن 16، يؤكد أن الدولة المصرية تتحرك بمنهج علمي ورؤية عالمية، لا بالشعارات.
لقد تكامل هذا الطرح مع تحذيرات النائب حسام الخولي، رئيس الهيئة البرلمانية لحزب مستقبل وطن بمجلس الشيوخ، الذي أكد أن التكنولوجيا الحديثة باتت تهديدًا حقيقيًا ومدمرًا للأجيال القادمة، في ظل تراجع دور الأسرة والمؤسسات التعليمية والدينية، مقابل تصاعد تأثير الذكاء الاصطناعي والسوشيال ميديا في تشكيل وعي الأطفال وقيمهم.
بينما نقل الدكتور نبيل دعبس، رئيس لجنة التعليم والبحث العلمي والاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، النقاش من مرحلة التشخيص إلى مرحلة الحل، مطالبًا بخطة قومية شاملة للتوعية، وقرارات واضحة تحد من استخدام الأطفال للتكنولوجيا الضارة، بل وطرح حلولًا جريئة مثل منع إنشاء حسابات إلكترونية لمن هم دون 18 عامًا بوسائل تقنية غير قابلة للاختراق، على غرار التجربة الروسية، مؤكدًا أن هذا الملف يمثل أمنًا قوميًّا بامتياز.
ومن موقع المسؤولية الوطنية، شدد اللواء أحمد العوضي، وكيل مجلس الشيوخ، على أن السوشيال ميديا تحولت إلى ساحة مفتوحة لحروب الجيل الخامس، مؤكدًا أن الهدف ليس عزل الأطفال عن العالم الرقمي، بل حوكمة استخدامه وتشريعه بما يحميهم من الاستغلال والتنمر والمحتوى الضار، في إطار رؤية وطنية شاملة تتسق مع توجيهات الرئيس عبد الفتاح السيسي بالحفاظ على النشء.
كما جاءت مداخلة النائب عصام هلال لتضع الأمور في نصابها، حين طالب الحكومة بخطة زمنية واضحة وإجراءات تشريعية وتنفيذية قابلة للتطبيق، مؤكدًا أن ترك الأسرة وحدها في مواجهة هذا الطوفان الرقمي هو تقصير مؤسسي غير مقبول، وأن القانون في هذه الحالة ليس خصمًا للأسرة، بل سندًا لها وحائط صد يحمي أبناءها.
ويُحسب لمجلس الشيوخ، وهو يفتح هذا الملف شديد الخطورة، أنه تحرك برؤية استباقية، ولم ينتظر وقوع الكارثة.
وهنا، يبرز دور النائب وليد التمامي، الذي يستحق شكرًا خاصًا وتقديرًا مستحقًا لتقدمه بطلب المناقشة العامة، وامتلاكه شجاعة طرح قضية تمس كل بيت مصري على مائدة النقاش الوطني المسؤول.
كما لا يمكن إغفال الجهد الكبير والمشاركة الجادة لعدد من السادة النواب الذين أثروا المناقشة برؤى عميقة ومداخلات واعية، وفي مقدمتهم الدكتور محمود مسلم، بما يملكه من خبرة تشريعية وإعلامية واسعة، وإيهاب وهبة، وأحمد شعبان، وإبراهيم موسى، ومحمد الأجرود، ومحمد شعيب، وحازم الجندي، وسامح السادات، وعماد خليل، وطاهر الخولي، الذين عكست مداخلاتهم إدراكًا حقيقيًا لحجم التحدي وإحساسًا صادقًا بالمسؤولية تجاه مستقبل الأجيال القادمة.
إن ما جرى تحت قبة مجلس الشيوخ يؤكد أننا أمام برلمان يعي أن حماية الطفولة ليست ترفًا تشريعيًا ولا معركة جانبية، بل قضية أمن مجتمعي حقيقي، وأن القرار الصعب اليوم أرحم ألف مرة من الندم غدًا.
تحية لمجلس الشيوخ، برئاسته وإدارته وأعضائه.
وتحية لكل نائب اختار أن يقف في صف المستقبل، دفاعًا عن عقول أبنائنا، وصونًا لهوية وطن يستحق الحياة.
كاتب المقال النائب أحمد قورة عضو لجنة النقل والمواصلات بمجلس النواب السابق

