المستشار محمد سليم يكتب : حين يكون التوقف حكمة

إلى كل من نحبهم، ونتمنى استمرار الود بيننا وبينهم، أرسل إليكم هذه الكلمات لا بوصفها عتابًا، ولا إنذارًا، بل رسائل تحمل النصيحة المخلصة، تلك التي لا تُقال إلا لمن نحرص عليهم، ولا تُكتب إلا بدافع الخوف من خسارة صامتة تتسلل دون أن ننتبه، فالصدق الحقيقي لا يصرخ، ولا يتهم، لكنه يضع الحقيقة أمامك ويترك لك حرية الفهم.
أكتب وأنا أدرك أن أقسى ما قد يسمعه الإنسان ليس الهجوم، بل الصدق، لأن الصدق لا يهادن، ولا يجامل، ولا يختبئ خلف الأعذار. وربما لهذا السبب نؤجله كثيرًا، ونستبدله بالصمت، أو بالتجاوز، أو بالتبرير. ومع مرور الوقت نكتشف، بعد تجارب طويلة مع البشر والأماكن والمشاعر، أن القوة ليست دائمًا في الاستمرار، وأن البقاء ليس فضيلة مطلقة، وأن بعض الانسحابات أكثر شرفًا من ألف استمرار مُرهق.
القوة الوحيدة التي امتلكتها، وربما امتلكتني، هي أنني أستطيع التوقف فجأة عن فعل أمر أحبه بشدّة، لا لأن الحب انتهى، ولا لأن الذكريات فقدت معناها، ولكن لأن الاستمرار أحيانًا يتحول من إخلاص إلى استنزاف، ومن ودّ إلى عبء ثقيل، ومن علاقة دافئة إلى مساحة تُهدر فيها النفس قطرةً قطرة.
نحن، دون أن نشعر، نخلط بين الحب والتحمّل، وبين الوفاء والسكوت، وبين الصبر وإلغاء الذات، فنصنع لأنفسنا قناعات مريحة ظاهريًا، مدمّرة في العمق، نقول إن البقاء بطولة، وإن الرحيل ضعف، وإن التوقف خيانة، بينما الواقع يقول إن كثيرًا من العلاقات لم تمت بسبب الرحيل، بل ماتت لأنها استمرت أكثر مما ينبغي.
الاستمرار ليس قيمة أخلاقية قائمة بذاتها، كما أن التوقف ليس عيبًا يُخفى، فالقيمة الحقيقية تكمن في الوعي، في أن تسأل نفسك بصدق: هل ما أعيشه يضيف إليّ، أم يستهلكني؟ هل وجودي هنا يجعلني أفضل، أم أكثر تعبًا؟ هل ما أقدمه نابع من حب، أم من خوف من الفقد؟
أكتب إليكم لأنني أحبكم، وأخشى عليكم من تقديس التضحية، ومن تحويل الصبر إلى فخ، ومن اعتبار التنازل المستمر دليل رُقي. فكل شيء بلا حدود ينقلب إلى نقيضه، حتى أجمل الصفات، وحتى أنبل النوايا. فالتضحية حين لا تُقابل بفهم تتحول إلى استنزاف، والصبر حين لا يُحترم يصبح إذلالًا، والحب حين يُستغل يفقد روحه.
التوقف عن شيء نحبه لا يحدث فجأة كما يبدو للآخرين، بل هو قرار ينضج في الداخل ببطء مؤلم، يتكوّن من خيبات صغيرة نبتلعها، ومن مواقف نتجاوز عنها، ومن كلمات نؤجل الرد عليها، ومن إحساس متكرر بأننا نعطي أكثر مما نأخذ، ونفهم أكثر مما يُفهمنا الآخرون، حتى نصل إلى لحظة ندرك فيها أن الاستمرار سيكلّفنا احترامنا لأنفسنا، وتلك خسارة لا يعوضها أي حب.
في تلك اللحظة يصبح التوقف فعل شجاعة، لا شجاعة المواجهة الصاخبة، بل شجاعة القرار الهادئ، أن تحمي نفسك دون أن تُسيء لأحد، وأن تنسحب دون تشهير، ودون محاكمات، ودون رغبة في الانتصار. أن تقول في صمت: كنت أحب، وما زلت أقدّر، لكنني لم أعد أستطيع أن أكون هنا دون أن أخسر نفسي.
هذا التوقف ليس قسوة كما يظنه البعض، بل رحمة مؤجلة، رحمة بك أولًا، وبالعلاقة ثانيًا، قبل أن تتحول إلى ساحة اتهامات، وكلمات قاسية تُقال في لحظات غضب، ثم لا يمكن سحبها مهما حاولنا.
إلى من نحبهم أقول: ليس كل من توقف تخلى، وليس كل من ابتعد نسي، فبعض المسافات تُصنع احترامًا، لا جفاءً، وبعض الأبواب تُغلق حفاظًا على ما كان جميلًا، لا إنكارًا له. أحيانًا نبتعد لأننا نريد أن نحتفظ بصورة نقية في الذاكرة، صورة لا تفسدها المرارة، ولا تشوهها الخيبات المتراكمة.
القوة التي أتحدث عنها لا تُرى، ولا تُصفّق لها الأيادي، ولا تصلح للشعارات، إنها قوة داخلية صامتة، أن تعرف قيمتك، وأن ترفض أن تكون دائمًا الطرف الذي يفهم، ويبرر، ويتنازل، ويؤجل ألمه. قوة أن تدرك أن الود لا يعيش في بيئة مُنهكة، وأن العلاقات لا تزدهر على حساب الكرامة.
رسالتي هذه ليست دعوة للقطيعة، ولا تمجيدًا للانسحاب السهل، بل تذكير بأن الاستمرار يجب أن يكون اختيارًا واعيًا، لا عادة، ولا خوفًا من الوحدة، ولا حرصًا على صورة أمام الآخرين. فالعلاقات التي تستحق البقاء، لا تطلب منك أن تختفي داخلها.
إلى كل من نحبهم: إن وجدتم يومًا من يتوقف فجأة، فاسألوا أنفسكم قبل إصدار الأحكام، هل كان هذا التوقف هروبًا؟ أم كان محاولة أخيرة للنجاة؟ هل كان ضعفًا؟ أم كان وعيًا متأخرًا؟
وأخيرًا، التوقف ليس نهاية كل شيء، لكنه أحيانًا بداية احترام حقيقي للنفس، وبداية سلام داخلي لا يتحقق إلا حين نختار أنفسنا دون ضجيج… وذلك، في زمن الاستنزاف المُقدّس، حكمة نادرة.

