البابا تواضروس الثانى يحذر: إدمان الهاتف المحمول يفسد القلب ويورث القلق الدائم

أكد قداسة البابا تواضروس الثاني، بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية، أن فترة الصوم تمثل زمنًا روحيًا استثنائيًا في حياة الإنسان، واصفًا إياها بأنها «درجات سُلّم» يرتقيها المؤمن عامًا بعد عام حتى يصل إلى الجمعة الكبيرة ويلامس سرّ الصليب ويختبر فرح القيامة.
وجاء ذلك خلال العظة الأسبوعية لقداسته الذى يعقدها الآن فى المقر الباباوى بالكاتدرائية المرقسية بالعباسية بدون حضور، حيث تناول البعد الروحي للصوم الكبير، مركزًا على «القلب» باعتباره محور الصراع الحقيقي داخل الإنسان، ومفتاح تقديس الحياة أو انحرافها.
الصوم رحلة صعود روحى
أوضح قداسة البابا أن الصوم ليس مجرد انقطاع عن الطعام، بل مسيرة ارتقاء مستمرة، ينبغي أن يحرص فيها كل إنسان على أن يكون في مستوى روحي أعلى من العام السابق، مؤكدًا أن الصوم يقود إلى التلامس مع آلام المسيح ثم التمتع بقيامته.
وأشار إلى أن الأحد الأول من الصوم يُعرف بـ«أحد الكنوز»، ويركز على سؤال جوهري: أين يوجد كنز الإنسان؟ وهل قلبه متعلق بالله أم بالأمور الأرضية؟
لماذا تهتم الكنيسة بالقلب؟
شدد قداسة البابا على أن اهتمام الكنيسة بالقلب نابع من كونه مركز القيادة في حياة الإنسان، مشبهًا إياه بنبع المياه الذي تتدفق منه كل الاتجاهات.
وقال إن كل فكرة تدخل القلب تتحول إلى رغبة، والرغبة إلى قرار، والقرار إلى فعل، وتكرار الفعل يصير عادة، ثم تتحول العادة إلى مسار كامل لحياة الإنسان، ومن هنا تتحدد هوية الإنسان واتجاهه الروحى له.
القلب ساحة المعركة
وبيّن البابا تواضروس أن القلب هو موضع المعركة الحقيقية داخل الإنسان، سواء بين الغفران والانتقام، أو بين نقاوة الحياة والسقوط في الشهوات.
واستشهد بشخصية يهوذا الإسخريوطي، الذي عاش مع السيد المسيح سنوات وسمع تعاليمه، لكنه سمح لفكرة صغيرة –محبة المال– أن تدخل قلبه، فتحولت إلى طريق قاده إلى السقوط الروحي وخيانة المسيح.
وأكد أن كثيرًا من السقطات تبدأ بأمور تبدو بسيطة، مثل كسر الحاجز النفسي في المرة الأولى، ثم تتحول إلى عادة، سواء في خطايا الإدمان أو غيرها من الانحرافات السلوكية.
«اقطع الشر في بدايته»
ونقل قداسة البابا عن القديس يوحنا ذهبي الفم قوله: «اقطع الشر في بدايته قبل أن يصير عادة»، موضحًا أن العادة حين تترسخ يصعب اقتلاعها بسهولة.
وأشار إلى أن الأفكار الخاطئة ليست وحدها ما يفسد القلب، بل كذلك تعلق الإنسان بالأمور الأرضية، مثل المال أو المديح أو النجاح الزمني، بل وحتى التعلق المفرط بالهاتف المحمول، لافتًا إلى انتشار ما يُعرف نفسيًا بالخوف من فقدان الهاتف.
وأكد أن التعلق الزائد بما هو قابل للفقدان يورث الإنسان قلقًا دائمًا، لأنه يربط سلامه الداخلي بأمور غير ثابتة.
القلب الجائع إلى الله
كما استشهد البابا بعبارة للقديس أغسطينوس، مفادها أن القلب الذي لا يجد كنزه في الله يظل جائعًا مهما امتلك، مؤكدًا أن الشبع الحقيقي لا يتحقق إلا بالارتباط بالله.
وأضاف أن من أبرز ما يفسد القلب أيضًا عدم الغفران، مشيرًا إلى أن الصلاة الربانية تؤكد هذا المبدأ بقولنا: «كما نغفر نحن أيضًا للمذنبين إلينا»، لأن القلب الممتلئ مرارة لا يستطيع أن يختبر السلام الداخلي.
ثلاث آفات تفسد القلب
واختتم البابا تواضروس عظته بالتأكيد على أن هناك ثلاثة أمور رئيسية تُفسد القلب:
الأفكار الخاطئة التي تتحول إلى عادات.
التعلق بالكنوز الأرضية والزمنية.
المرارة وعدم الغفران.
داعيًا المؤمنين إلى استثمار زمن الصوم في تنقية القلب، حتى يكون الصعود الروحي حقيقيًا ويقود إلى اختبار القيامة بفرح وسلام.

