بوابة الدولة
بوابة الدولة الاخبارية

الكاتب الصحفى صالح شلبى يكتب : واشنطن وطهران أمام أخطر إختبار

الكاتب الصحفى  صالح شلبى
-

لم تعد المواجهة الدائرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، مجرد جولة عسكرية عابرة يمكن احتواؤها ببيان سياسي أو وساطة سريعة، ما نشهده اليوم هو صراع مفتوح متعدد الطبقات، تختلط فيه الضربات الجوية بالرسائل الدبلوماسية، ويتداخل فيه الميدان العسكري مع حسابات الاقتصاد العالمي، وتطل من نوافذه قوى كبرى تراقب وتتحرك بحسابات دقيقة.
منذ الضربات الأولى، بدا أن الهدف لم يكن تكتيكيًا محدودًا، بل استراتيجيًا واسعًا، استهداف مراكز عسكرية وبنى قيادية داخل إيران عكس رغبة واضحة في إضعاف القدرة على إدارة المعركة، وربما إعادة صياغة معادلة الردع بالكامل في الشرق الأوسط.

في المقابل، جاء الرد الإيراني سريعًا عبر صواريخ وطائرات مسيّرة طالت العمق الإسرائيلي ومواقع عسكرية أمريكية في المنطقة، في تأكيد أن طهران لن تتعامل مع الضربات كحدث عابر.
المواجهة لم تبقَ محصورة في ثلاث عواصم. جنوب لبنان عاد إلى الواجهة، واسم حزب الله يطفو في خلفية المشهد باعتباره أحد أذرع النفوذ الإيراني. ومع كل تصعيد، تتسع دائرة القلق من احتمال انخراط جبهات إضافية، بما يحول الحرب إلى صراع إقليمي شامل.
حسابات تتجاوز الميدان
الولايات المتحدة وإسرائيل تبرران التحرك بضرورة تحجيم القدرات الصاروخية والنووية الإيرانية، ومنع تحول طهران إلى قوة ردع لا يمكن كبحها، غير أن القراءة الأعمق تشير إلى محاولة إعادة رسم ميزان القوى في المنطقة، وإرسال رسالة واضحة بأن قواعد الاشتباك القديمة لم تعد صالحة.
غير أن الحروب لا تُدار فقط بالضربات الدقيقة، فكل صاروخ يطلق يحمل معه احتمالات توسع غير محسوب، وكل عملية عسكرية تفتح الباب أمام ردود أفعال تتجاوز النطاق المتوقع.
الاقتصاد في عين العاصفة
الأسواق العالمية لم تنتظر طويلاً، القلق تصاعد بشأن أمن إمدادات الطاقة، خاصة مع الحديث عن تهديدات محتملة تطال مضيق هرمز، الشريان البحري الذي يعبر منه جزء كبير من تجارة النفط العالمية، ارتفاع الأسعار جاء انعكاسًا طبيعيًا لمخاوف المستثمرين، فيما تراجعت أسواق المال تحت ضغط المخاطر الجيوسياسية، وعاد الذهب إلى الواجهة كملاذ آمن.
الحرب هنا لا تُقاس فقط بعدد الطائرات والصواريخ، بل بمدى تأثيرها على معدلات التضخم، والنمو الاقتصادي، واستقرار الأسواق العالمية، إنها معركة تدور أيضًا في البورصات وغرف صنع القرار المالي.
الداخل الأمريكي.. حسابات السياسة
الرئيس دونالد ترامب دافع عن قرار المواجهة باعتباره ضرورة لحماية الأمن القومي الأمريكي، غير أن المشهد الداخلي في واشنطن لا يخلو من انقسام، هناك من يرى أن الضربات كانت حتمية، وهناك من يحذر من الانزلاق إلى حرب مفتوحة بلا أفق زمني واضح.
الذاكرة الأمريكية مثقلة بتجارب سابقة في الشرق الأوسط، وهو ما يجعل أي مواجهة جديدة محاطة بأسئلة عن الكلفة والنتائج.
الصين وروسيا.. حضور في الظل
وسط هذا المشهد، برز سؤال ملح أين تقف القوى الكبرى الأخرى؟ ، الصين أعلنت بوضوح رفضها للضربات الأمريكية والإسرائيلية، ووصفتها بانتهاك لسيادة دولة مستقلة، كما دعت إلى وقف فوري لإطلاق النار، والعودة إلى طاولة المفاوضات، مؤكدة تمسكها بمبدأ عدم التدخل واحترام سيادة الدول، كما حذرت من تداعيات إنسانية واقتصادية خطيرة إذا استمر التصعيد، وأصدرت توجيهات لرعاياها بمغادرة مناطق الخطر، في إشارة إلى تقديرها لخطورة الموقف.
لكن الصين، رغم لهجتها المنتقدة، لم تذهب إلى حد الانخراط العسكري أو تقديم دعم مباشر لطهران، حيث إن سياستها بدت قائمة على موازنة دقيقة، رفض الحرب، دون الدخول في مواجهة مباشرة مع واشنطن أو تل أبيب، مع محاولة تقديم نفسها كقوة مسؤولة تدفع نحو التهدئة.
يأتى هذا فى الوقت الذى أدانت فية روسيا، الضربات ووصفتها بالتصعيد الخطير الذي قد يجر المنطقة إلى فوضى أوسع،موسكو دعت إلى الحوار وعرضت فكرة تحرك دبلوماسي دولي لاحتواء الأزمة، غير أنها، مثل بكين، لم تعلن أي التزام عسكري مباشر تجاه إيران.
التحليل يشير إلى أن موسكو ترى في الأزمة فرصة لإرباك واشنطن وإشغالها، لكنها في الوقت ذاته حريصة على تجنب مواجهة مفتوحة قد توسع نطاق الصراع إلى ما هو أبعد من الشرق الأوسط، إنها لعبة توازن دقيقة بين الاستفادة السياسية وتفادي الانفجار الكبير.
سيناريوهات مفتوحة
أمامنا ثلاثة مسارات محتملة - حرب قصيرة تعيد تثبيت قواعد ردع جديدة - أو مواجهة ممتدة منخفضة الوتيرة، تتخللها ضربات وضغوط سياسية - أو توسع إقليمي ينخرط فيه لاعبون إضافيون بشكل مباشر.
كل سيناريو يحمل مخاطره، لكن الثابت أن المنطقة دخلت مرحلة مختلفة، عنوانها إعادة اختبار موازين القوى الدولية، لا الإقليمية فقط.
في النهاية، لا يمكن قراءة هذه الحرب بمعزل عن تفاعلات القوى الكبرى، فبين التصعيد العسكري والحراك الدبلوماسي، تبقى الأسئلة مفتوحة.

وهنا يتساءل الرأى العام، هل تكتفي الصين وروسيا بدور المراقب والداعي للتهدئة؟ أم أن حساباتهما الاستراتيجية قد تدفعهما لاحقًا إلى أدوار أكثر تأثيرًا في مسار الصراع؟