بوابة الدولة
بوابة الدولة الاخبارية

الكاتب الصحفى صالح شلبى يكتب: لماذا اختفت انتفاضة النواب بعد رفع أسعار المحروقات؟

الكاتب الصحفى صالح شلبى
-

يا ليت الزمان يعود يومًا،وتعود بنا الأيام إلى مجلس النواب قبل الثورة، حين كانت قبة البرلمان تهتز إذا ارتفعت الأسعار جنيهًا أو حتى نصف جنيه.

كان المجلس ينتفض من أجل المواطن المصرى، وكانت المنصة تمتلئ بالاستجوابات والبيانات العاجلة، ويُستدعى الوزراء المعنيون على عجل لتفسير قراراتهم، وكانت الحكومة تحسب ألف حساب لصوت النواب، لأن الشارع كان حاضرًا بقوة تحت القبة.
فى تلك الأيام لم يكن رفع الأسعار يمر مرور الكرام، بل كان يفتح أبوابًا واسعة من النقاش والمساءلة، كان النائب يشعر أن صوته هو صوت الناس، وأن مهمته الأساسية أن يحمل هموم المواطنين إلى الحكومة دون خوف أو تردد.
أما اليوم، فقد صدر فجر أمس قرار بزيادة أسعار المحروقات، لترتفع أسعار البنزين والسولار وأنابيب البوتاجاز، وهو قرار لا يتوقف تأثيره عند محطات الوقود فقط، بل يمتد إلى كل بيت مصرى، لأن الوقود هو المحرك الرئيسى لأسعار المواصلات والسلع والخدمات، وفى الوقت الذى امتلأ فيه الشارع بالقلق والتساؤلات حول موجة غلاء جديدة قد تضرب الأسواق، كان السؤال الأكثر إلحاحًا يتردد بين المواطنين:
أين انتفاضة النواب؟ أين سيل البيانات العاجلة الذى كنا نراه فى مثل هذه المواقف؟ أين الاستجوابات والبيانات العاجلة وطلبات الاحاطة وطلبات المناقشة ، والاسئلة البرلمانية ،التى كانت تجعل الوزراء يسارعون إلى البرلمان لتوضيح القرارات الاقتصادية التى تمس حياة الناس؟
حتى هذه اللحظة لم نشهد تحت القبة سوى تحركين فقط، بيان عاجل تقدم به النائب محمد عبد العليم داود، وطلب إحاطة تقدمت به النائبة مها عبد الناصر، وبيان عاجل من النائب ضياء الدين داود من بين عدد أعضاء المجلس البالغ نحو596 عضواً.
وهنا يبرز سؤال آخر لا يقل أهمية، أين بقية النواب؟ وأين أصوات المعارضة ؟وهل نسى النواب دورهم الدستورى والرقابى؟ وهل غاب عن أذهانهم القسم الذى أقسموا عليه أمام الشعب؟ الذى تحمل كلماتة ،أقسم بالله العظيم أن أحافظ مخلصًا على النظام الجمهورى، وأن أحترم الدستور والقانون، وأن أرعى مصالح الشعب رعاية كاملة -وهذا القسم ليس مجرد كلمات تُقال فى جلسة الافتتاح، بل هو التزام دستورى وأخلاقى يفرض على النائب أن يكون حاضرًا عندما تمس القرارات الاقتصادية حياة المواطنين.
وهنا الدستور المصرى واضح وصريح؛ إذ تنص المادة 101 على أن مجلس النواب يتولى سلطة التشريع، ويقر السياسة العامة للدولة، والخطة العامة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية، والموازنة العامة للدولة، ويمارس الرقابة على أعمال السلطة التنفيذية.
كما منح الدستور النواب أدوات رقابية عديدة، مثل البيانات العاجلة، وطلبات الإحاطة، والاستجوابات، وطلبات المناقشة العامة، وهى أدوات لم تُمنح للزينة، بل لتكون سلاحًا برلمانيًا مشروعًا لحماية مصالح المواطنين.
إن ارتفاع أسعار المحروقات ليس قرارًا عابرًا، بل قضية تمس كل بيت مصرى، لأنها تؤثر مباشرة على أسعار المواصلات والسلع الغذائية وتكاليف المعيشة اليومية.
ولهذا ينتظر المواطن من نوابه أن يكونوا صوتًا له، وأن يستخدموا أدواتهم الدستورية فى الرقابة والمساءلة، لا أن يكتفوا بالمشاهدة من بعيد.
فالمواطن الذى منح صوته للنائب لا ينتظر منه الصمت، بل ينتظر منه موقفًا واضحًا وصوتًا قويًا تحت القبة.
ولهذا يبقى السؤال مطروحًا بقوة -لماذا اختفت انتفاضة النواب بعد رفع أسعار المحروقات؟ وهل تعود قبة البرلمان يومًا لتكون ساحة حقيقية للدفاع عن المواطن المصرى كما كانت؟

يبقى الرهان الآن معلقًا تحت قبة البرلمان، هل يتحرك أعضاء مجلس النواب أخيرًا ليوجهوا غضبهم إلى الحكومة؟ وهل نشهد تحت القبة مناقشات حقيقية تعكس حالة القلق التى يعيشها الشارع المصرى بعد زيادة أسعار المحروقات وما يتبعها من موجة غلاء تضرب كل السلع والخدمات؟
السؤال الذى يتردد اليوم فى المقاهى والشوارع ووسائل المواصلات ليس عن أسباب الزيادة فقط، بل عن موقف البرلمان نفسه،فالمواطن البسيط الذى يواجه يوميًا ارتفاع الأسعار، يتطلع بطبيعته إلى نوابه باعتبارهم صوته داخل الدولة، وينتظر منهم أن يستخدموا أدواتهم الدستورية فى الرقابة والمساءلة، وأن يطرحوا الأسئلة الصعبة التى تشغل الناس.
لكن الواقع حتى الآن لا يعطى مؤشرات كثيرة على انتفاضة برلمانية قريبة، فالرأى العام لا يعتقد أن مجلس النواب سيتحرك بقوة أو يدخل فى مواجهة سياسية حقيقية مع الحكومة بسبب هذه القرارات.

وقد ترسخ هذا الانطباع لدى قطاعات واسعة من المواطنين بسبب طريقة الانتخابات والقوائم التى تفرض نواب لا يعلم عنها الشارع شيئاً والتى يقال عنهم نواب" الباراشوت " ،وبعد سنوات من القرارات الاقتصادية الصعبة التى مرت دون أن تشهد القبة البرلمانية عاصفة من الاستجوابات أو المناقشات الساخنة كما كان يحدث فى أوقات سابقة.
ولذلك فإن الرهان الحقيقى اليوم ليس فقط على قرار زيادة الأسعار، بل على دور البرلمان نفسه، هل سيستعيد دوره الرقابى الذى نص عليه الدستور؟ أم سيظل الشارع يشعر بأن المسافة بينه وبين قبة المجلس أصبحت أكبر مما كانت؟
إن مجلس النواب لا يُقاس بعدد القوانين التى يصدرها فقط، بل بقدرته على التعبير عن نبض المجتمع ومساءلة الحكومة عندما تمس قراراتها حياة المواطنين. وفى قضية تمس كل بيت مصرى مثل أسعار المحروقات، ينتظر الناس أن يسمعوا صوت نوابهم واضحًا وصريحًا.
ويبقى السؤال مفتوحًا أمام الجميع- هل تتحرك القبة أخيرًا وتعكس غضب الشارع؟ أم يظل الرأى العام على قناعته بأن انتفاضة النواب أصبحت جزءًا من ذكريات الماضى؟