بوابة الدولة
بوابة الدولة الاخبارية

الكاتب الصحفى صالح شلبى يكتب : عندما تسقط الحكومة من حسابتها أصحاب المعاشات.. فقل على الدنيا السلام

الكاتب الصحفى صالح شلبى
-

لقد أخطأ الدكتور مصطفى مدبولي، رئيس مجلس الوزراء، عندما وجّه تصريحاته التي حملت رسائل الطمأنة بعد رفع أسعار المحروقات إلى العاملين بالجهاز الإداري للدولة، متحدثًا عن حزمة من الحماية الاجتماعية وتحسين الأجور والدخول لهم.

ففي الوقت الذي حاولت فيه الحكومة تهدئة الشارع برسائل الدعم، بدت تلك الرسائل وكأنها تتوجه إلى فئة بعينها، بينما بقيت فئة أخرى لا تقل أهمية، بل ربما تكون الأكثر احتياجًا،وهم اصحاب المعاشات خارج دائرة الطمأنة بل سقطت من حسابات الحكومة.
ونقول للدكتور مصطفى مدبولي، كان الأولى أن تكون رسائل الطمأنة موجهة أولًا إلى أصحاب المعاشات، هؤلاء الأحد عشر مليون مواطن الذين سقطوا - للأسف - من حسابات الحكومة في لحظة كان ينبغي أن يكونوا فيها في مقدمة المشهد.
فهؤلاء لم يعودوا موظفين ينتظرون زيادة في راتب أو حوافز أو مكافآت أو أرباح سنوية، ولم تعد أمامهم فرصة لتحسين دخولهم من خلال الترقيات أو البدلات كما يحدث مع العاملين بالخدمة.

من اسقطهم الدكتور مصطفى مدبولى من حساباتة ،هم مواطنون أفنوا أعمارهم في خدمة الدولة والمجتمع، وخرجوا إلى المعاش وهم يعتمدون على دخل ثابت محدود، بينما تتغير أسعار الحياة من حولهم كل يوم بلا رحمة ولا هوادة.
هولاء قضى كثير منهم أكثر من ثلاثين أو أربعين عامًا في العمل داخل مؤسسات الدولة، بين موظف بسيط في مصلحة حكومية، وعامل في مصنع، ومعلم في مدرسة، وممرض في مستشفى، كانوا جزءًا من ماكينة العمل في هذا الوطن، وساهموا بجهدهم وعرقهم في بناء مؤسساته،وعندما خرجوا إلى المعاش، كانوا يظنون أن الدولة التي خدموها ستضمن لهم حياة كريمة في سنوات العمر المتقدمة، لكن الواقع يقول إن كثيرًا منهم يعيش اليوم على معاش يتراوح ما بين ألفين وخمسة آلاف جنيه، وهو مبلغ بالكاد يكفي احتياجات أيام قليلة من الشهر في ظل موجة غلاء تضرب الأسواق وكل اسرة مصرية بلا رحمة.
وهنا يبرز السؤال الواضح والصريح، بأي منطق وبأي عقل يمكن تجاهل أصحاب المعاشات؟ وهل يستحق هؤلاء من الحكومة هذا التجاهل؟ ولماذا يتم التغاضي عن نصوص الدستور التي أكدت بوضوح حماية حقوقهم وضمان حياة كريمة لهم؟ وأين مبدأ المساواة والعدالة الاجتماعية الذي يجب أن يشعر به كل مواطن في هذا الوطن؟
إن تجاهل هذه الفئة الكبيرة من المجتمع يطرح علامات استفهام كثيرة، خاصة أن أصحاب المعاشات لم يطلبوا امتيازات خاصة، بل يطالبون فقط بحقوقهم التي كفلها الدستور والقانون، يطالبون بحياة كريمة تسترهم من العوذ والسؤال.
أي طمأنة يمكن أن يشعر بها صاحب معاش يعيش بهذا الدخل المحدود؟ إيجار الشقة وحده قد يلتهم نصف هذا المبلغ أو أكثر، خاصة في المدن الكبرى، ثم تأتي فواتير الكهرباء والمياه والغاز والإنترنت، وكلها التزامات شهرية لا يمكن تجاهلها،ومع كل زيادة في أسعار الطاقة أو الخدمات، يصبح العبء أكبر على هذه الفئة التي لا تملك أي مصدر دخل آخر.
ثم تبدأ معركة الحياة اليومية مع أسعار الطعام،فالإفطار والغداء والعشاء لم تعد مجرد وجبات عادية، بل أصبحت حسابات دقيقة في دفتر المصروفات، أسعار اللحوم والدواجن والأسماك والخضروات ارتفعت بشكل غير مسبوق، حتى أصبح كثير من أصحاب المعاشات يضطرون إلى تقليص احتياجاتهم الغذائية أو الاستغناء عن بعض السلع الأساسية.
أما الدواء، فهو القصة الأكثر إيلامًا في حياة أصحاب المعاشات، خاصة مع تقدم العمر، تزداد الأمراض المزمنة مثل الضغط والسكر وأمراض القلب والمفاصل، هذه الأمراض تحتاج إلى علاج مستمر وأدوية لا يمكن الاستغناء عنها، ومع ارتفاع أسعار الأدوية، يجد كثير من كبار السن أنفسهم أمام معادلة قاسية، هل يشترون الدواء أم يوفرون ثمنه للطعام، او للدروس الخصوصية ؟
ولا تتوقف المسؤوليات لاصحاب المعاشات عند هذا الحد، فالكثير من أصحاب المعاشات ما زالوا يتحملون مسؤولية أسر كاملة، أبناء في مراحل التعليم المختلفة، من مدارس إلى جامعات، ومصاريف دراسية لا ترحم،كتب ومواصلات ودروس خصوصية جمعيها أصبحت عبئًا ثقيلًا حتى على الأسر التي تمتلك دخلًا ثابتًا، فكيف الحال بمن يعتمد على معاش محدود بالكاد يصل إلى ايام قليلة من الشهر ؟
ثم تأتي مسؤولية أخرى على عاتق اصحاب المعاشات، لا يمكن تجاهلها في المجتمع المصري، وهي تجهيز الأبناء للزواج، فكم من أب يقف عاجزًا أمام احتياجات ابنه أو ابنته، وهو يعلم أن دخله لا يسمح حتى بالاقتراب من متطلبات الحياة الجديدة ،بعد ان وصل ثمن الثلاجة 32 الف جنية وبوتاجاز من 12 الى 20 الف جنية، وغسالة من 20 الى 35 الفجنية وتلفزيون من 12 الى 100 الف جنية.
ولهذا لم يجد كثير من أصحاب المعاشات حلًا سوى البحث عن عمل بعد سن التقاعد، فترى الموظف السابق الذي قضى عمره خلف مكتب حكومي يقف اليوم كعامل أمن أمام شركة أو بنك، أو يعمل في عيادة خاصة لتنظيم دخول المرضى، أو يقف لساعات طويلة في محطة بنزين، فقط ليضيف بضع مئات من الجنيهات إلى معاشه الضئيل حتى يستطيع مواجهة جزء من أعباء الحياة.
أي مشهد أقسى من أن يعمل رجل تجاوز الستين أو السبعين من عمره لساعات طويلة، لا لأنه يريد العمل، بل لأنه مضطر حتى يعيش بكرامة؟
لهذا فإن الحديث عن تحسين الأجور للعاملين بالجهاز الإداري خطوة مهمة بلا شك، لكنه يظل ناقصًا إذا لم يمتد ليشمل زيادة حقيقية وعادلة لأصحاب المعاشات، فهؤلاء ليسوا مجرد أرقام في سجلات التأمينات، بل هم جيل كامل صنع حاضر هذا البلد، ودفع اشتراكات التأمينات لسنوات طويلة على أمل أن يجد حياة مستقرة عندما يتقاعد.
إن رسالة الطمأنة الحقيقية لا يجب أن تقتصر على الموظف الذي ما زال يتقاضى راتبًا ويملك فرصة زيادة دخله، بل يجب أن تصل قبل غيره إلى ذلك الرجل المسن الذي يتردد كثيرا عند دخولة للصيدلية، أو تلك السيدة التي تحاول تدبير مصروفات بيتها من معاش بالكاد يكفي لايام قليلة من الشهر.
أصحاب المعاشات اليوم لا ينتظرون كلمات طيبة أو وعودًا مؤجلة، بل ينتظرون قرارًا يشعرهم بأن الدولة لم تنسهم، وأن سنوات العطاء الطويلة التي قدموها لهذا الوطن لم تذهب سدى.
نقولها بكل صدق وإخلاص، ليس من باب العتاب بل من باب الرحمة والإنصاف، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء، فهؤلاء اصحاب المعاشات، لم يطلبوا سوى حقهم في حياة كريمة بعد رحلة عمر طويلة من العمل والعطاء.

الحكومة مطالبة اليوم بأن تسمع جيدًا صوت أصحاب المعاشات، فهؤلاء ليسوا عبئًا على الدولة كما يتصور البعض، بل هم أصحاب حق، اقتُطعت من رواتبهم لسنوات طويلة أموال التأمينات على وعدٍ بحياة كريمة بعد انتهاء سنوات العمل، فإذا بهم يواجهون واقعًا قاسيًا لا يليق بمن خدموا هذا الوطن بإخلاص.
وهنا نبعث برسائل الى الحكومة لعلها تستجيب لها - الرسالة الأولى للحكومة واضحة وصريحة،لا يجوز أن تُترك ملايين الأسر التى تعيش على المعاشات فريسة لجنون الأسعار،خاصة وإن الغلاء يلتهم كل شىء، بينما المعاشات تتحرك ببطء شديد لا يواكب أبسط متطلبات الحياة.
والرسالة الثانية، أصحاب المعاشات ليسوا أرقامًا فى دفاتر وزارة المالية،هؤلاء آباء وأمهات صنعوا تاريخ هذا الوطن، وكانوا يومًا عماد المصانع والمصالح الحكومية والمدارس والمستشفيات، ومن غير المقبول أن يقضى هؤلاء ما تبقى من عمرهم فى القلق على ثمن الدواء أو فاتورة الكهرباء.
والرسالة الثالثة للحكومة،الدستور واضح وصريح فى حماية حقوق أصحاب المعاشات، وإذا كانت الحكومة قادرة على اتخاذ قرارات صعبة تمس حياة المواطنين، فإن العدالة تقتضى أن تكون هناك قرارات شجاعة أيضًا لحماية من أفنوا أعمارهم فى خدمة الدولة.
أما الرسالة الرابعة فهى الأكثر إيلامًا، مشهد كبار السن وهم يعملون حراس أمن أو فى محطات البنزين أو العيادات الخاصة بعد سن الستين ليس مشهدًا طبيعيًا،هذا المشهد يجب أن يوقظ الضمير قبل أن يوقظ الاقتصاد.
والرسالة الأخيرة للحكومة، كرامة أصحاب المعاشات هى اختبار حقيقى لعدالة أى دولة، خاصة وإن الدول تُقاس ليس فقط بمشروعاتها الكبرى، بل بقدرتها على حماية الفئات التى أفنت عمرها فى العمل والعطاء.
والسؤال الذى ينتظر إجابة جادة - هل تتحرك الحكومة لإنصاف أصحاب المعاشات وزيادة معاشاتهم بما يحقق لهم حياة كريمة؟ أم سيظل الملايين منهم خارج حسابات العدالة الاجتماعية، بينما تتزايد أعباء الحياة يومًا بعد يوم؟
صبر أصحاب المعاشات طويل،لكن حقوقهم أوضح من أن تُهمل، وأكبر من أن تُؤجل، تذكروا كلمات الصحابى الجليل على ابن طالب ،تذكروا المعنى الذى تحمله الكلمات الخالدة، تنام عينك .. وعين المظلوم لم تنم .. يدعو عليك وعينُ الله لم تنم، تذكروها جيدًا، فدعوة المظلوم ليس بينها وبين الله حجاب، تذكروها وأنتم تضعون السياسات وتصدرون القرارات وتكتبون الأرقام فى دفاتر الموازنات، لأن خلف كل رقم إنسانًا، وخلف كل معاش حكاية عمرٍ كامل من العمل والعرق والتعب.
تذكروا أصحاب المعاشات ، تذكروا أن الظلم لا يدوم، وأن التاريخ لا ينسى، وأن الأوطان القوية هى التى تحفظ كرامة من خدموها، لا التى تتركهم فى مواجهة قسوة الحياة وحدهم، تذكروا أن دعوة مظلوم فى جوف الليل قد تهز عروشًا، فلا تجعلوا أصحاب المعاشات يرفعون أيديهم إلى السماء شاكين حالهم، بل اجعلوا أيديهم ترتفع بالدعاء لهذا الوطن الذى لم ينس أبناءه حين اشتدت عليهم الحياة.