بوابة الدولة
بوابة الدولة الاخبارية

د. محمود فوزي يكتب: الصحة النفسية بين ”فومو” و”جومو”

د.محمود فوزي
-

لم يكن الخوف من فوات الفرصة "فومو" سوى نتاجًا طبيعيًا للعزلة والإقصاء الاجتماعي الذي قد يصل لمرحلة القهر النفسي، والحرمان النسبي، والشعور بالدونية الاجتماعية، وغيرها من الأعراض التي قد يصاحبها بعض الأمراض النفسية؛ كالاكتئاب، والقلق، والوسواس القهري، واضطرابات السيطرة على الانفعالات، وفرط النشاط، ونقص الانتباه؛ حيث يصاب الفرد بحالة عاطفية سلبية؛ تنجم من تدني مستوى جودة الحياة المتصورة لديه، فيشعر بالعجز عن تلبية وإشباع احتياجاته من التفاعل والارتباط الاجتماعي.
وعلى المستوى التسويقي؛ يعتبر "فومو" أسلوبًا تجاريًا؛ يرتبط بالاستخدام المفرط للهواتف الذكية؛ يستخدمه المسوقون؛ لإقناع عملائهم، والتأثير على دوافع سلوكهم الشرائي؛ من خلال استغلال حالة القلق والخوف المثارة لديهم من فقدان أو خسارة شيء ما مهم في حياتهم؛ إن لم يستخدموا السلعة أو الخدمة التي تقدمها الشركة أو العلامة التجارية.
وتوصلت أحدث الدراسات التسويقية إلى طردية العلاقة الارتباطية بين الاستخدام المفرط لوسائل التواصل الاجتماعي وبين الخوف من فوات الفرصة، والتأثير على الصحة النفسية للمتصفح الرقمي؛ الذي يلجأ لهذه الوسائل؛ بغية الهروب من حالة الحزن، والوحدة، والرغبة في تجنب التواصل مع من حوله، فضلًا عن الشعور بإرهاق وسائل التواصل الاجتماعي؛ نتيحة الكم الهائل من المعلومات التي تفوق قدراته، وتشعره بالاضطراب، والتوتر.
وتؤدي هذه الأعراض النفسية والذهنية الناتجة عن إرهاق وسائل التواصل الاجتماعي إلى توليد رغبة قوية في الانفصال؛ لإزالة السموم الرقمية، والانتقال من فوضى الحياة السلكية واللاسلكية بشكل جزئي أو كلي إلى أنشطة أخري أكثر حيوية؛ دون فقدان الاتصال الشخصي المباشر بالآخرين؛ وهو ما يمنح الفرد فرص استعادة التوازن، والشعور بالسعادة والراحة والصحة الذهنية، وهو ما يعرف بفرحة فوات الشيء "جومو" joy of missing out
ففي المقابل قدمت إستراتيجية "متعة فوات الفرصة رؤية مغايرة؛ تعتمد على تقديم الأولوية لاحتياجاتنا ورغباتنا الشخصية؛ وتنمية الوعي النفسي والشعور اليقظ بالتجارب الراهنة؛ لإيجاد معنى واقعي للقصص الإنسانية والتجارب الشعورية، التي نخوضها بمساحة منطقية من الصحة النفسية واليقظة الذهنية، والرضا الذاتي، والتكيف النفسي مع مجريات الحياة.
كما تعكس متعة الغياب المتعمد عن ضوضاء العالم الرقمي تقليل مشاعر الأرق، والقلق، والتحرر من فوضى التعرض المتواصل للحياة الشخصية للآخرين، ومن ثم تجنب الانغماس في خضم المقارنات الاجتماعية بشقيها التصاعدي والتنازلي؛ ما يسمح للفرد باستدعاء حالة التركيز الذهني على مهامه، وتحسين مزاجه النفسي، وتعزيز دوافع الإنجاز والقبول الاجتماعي؛ كملامح واقعية أكثر منطقية للتكيف الاجتماعي مع المتغيرات المعيشية؛ بشكل أكثر إشباعًا وتوازنًا.
وفي بحوث التسويق والإعلان، يحاول المسوقون توظيف أساليب "جومو" من خلال مناشدة المستهلك للاستمتاع بالطبيعة، وممارسة الرياضة والهوايات المفيدة، وإشباع الشغف المعنوي، والشعور بالتأمل الذاتي، والراحة النفسية، واستحضار حالة التوازن العاطفي، والعناية بالنفس، فضلًا عن الاستثمار في المورد البشري، والسعي قدمًا نحو التطوير الذاتي، والارتقاء المهني، والتخلص من التوتر.