بوابة الدولة
بوابة الدولة الاخبارية

الكاتب الصحفى صالح شلبى يكتب : حفلات إفطار الوزارات وإعلانات رمضان..إستفزاز للشعب المصري

الكاتب الصحفى صالح شلبى
-

في كثير من الأحيان تعود الذاكرة بنا إلى الوراء لنكتشف أننا ربما ظلمنا حكومات سابقة حين كنا ننتقدها ونكيل لها الاتهامات ونصفها بأبشع الأوصاف، يومها كنا نرى أنها قصّرت أو أخفقت أو لم تحقق ما كنا نحلم به من طموحات، لكننا اليوم - ومع ما يمر به المجتمع من أزمات اقتصادية خانقة - بدأنا ندرك أن تلك الحكومات، رغم كل ما قيل عنها، كانت تمتلك قدرًا من الحس الاجتماعي الذي يراعي أحوال الناس ويحاول قدر الإمكان أن يحفظ توازن المجتمع.
لم تكن تلك الحكومات ملائكية، لكنها كانت تفهم معنى ستر البيوت، وتدرك أن كرامة المواطن البسيط ليست مجرد شعار يُرفع في الخطب، بل مسؤولية حقيقية يجب مراعاتها في السياسات والقرارات، كانت هناك أخطاء بلا شك، لكن كان هناك أيضًا إدراك بأن الفقر إذا اشتد يمكن أن يتحول إلى ألم صامت ينهش المجتمع ببطء.
اليوم يعيش المجتمع المصري تحديات اقتصادية ثقيلة لا تخفى على أحد، تضخم يلتهم الدخول، وأسعار ترتفع بوتيرة مرهقة، وطبقات واسعة من المواطنين تكافح يوميًا من أجل تدبير احتياجاتها الأساسية ، المواطن البسيط لم يعد يفكر في رفاهية أو كماليات، بل بات همه الأول كيف يوفر متطلبات بيته ويحافظ على تماسك أسرته وسط موجة الغلاء التي لا ترحم.
وفي الوقت الذي تطالب فية الحكومة الجميع بترشيد النفقات، ويُطلب من المواطن أن يتحمل الأعباء ويصبر على الظروف الصعبة، تظهر مشاهد استفزازية لا تتسق مع هذه الدعواتحيث نرى ونشاهد الوزارات تقيم حفلات إفطار وسحور في أكبر الفنادق، وكأننا نعيش في زمن رخاء اقتصادي لا في مرحلة تتطلب شد الأحزمة وتقليص النفقات.
بل إن بعض الجهات الحكومية لم تكتفِ باحتفالية واحدة، وإنما نظمت أكثر من مناسبة في الشهر ذاته، كما حدث في بعض قطاعات وزارة الكهرباء والطاقة المتجددة من خلال شركاتها المتعددة، وهو أمر يثير كثيرًا من التساؤلات حول الرسالة التي تصل إلى المواطن الذي يسمع كل يوم دعوات التقشف وترشيد الإنفاق.
وإذا انتقلنا إلى القطاع المصرفي نجد مشهدًا آخر لا يقل غرابة،ـ بنك مصر والبنك الأهلي المصري ينفقان مئات الملايين من الجنيهات على حملات إعلانية في القنوات الفضائية، رغم أن هذين البنكين من أعرق وأكبر المؤسسات المصرفية في البلاد، ولا يحتاجان عمليًا إلى هذا الكم الهائل من الدعاية، خاصة إن المواطن يعرفهما جيدًا ويتعامل معهما منذ عقود، لكن سباق الإعلانات يبدو وكأنه تحول إلى باب واسع من أبواب الإسراف في وقت يفترض أن تكون فيه الأولوية لكل جنيه يمكن أن يُوجَّه لتحسين الخدمات أو دعم الاقتصاد أو تخفيف الأعباء عن الناس.
وإذا نظرنا إلى شركات الاتصالات، نجد سباقًا لا يقل ضراوة في إنفاق المليارات على إعلانات رمضان، من أورنج و«وي» وفودافون، في مشهد دعائي صاخب كان الأولى أن يتحول جزء منه إلى مبادرات تخفف العبء عن الأسر المصرية، سواء في صورة دقائق مجانية أو باقات دعم حقيقية تلامس احتياجات الناس بدلًا من الاكتفاء بالأغاني والإبهار البصري.
ولم يتوقف الأمر عند الوزارات أو المؤسسات الاقتصادية، بل امتد المشهد إلى مؤسسات يفترض أنها الأقرب إلى نبض الشارع ومعاناة المواطنين. نرى ونشاهد مجلس الشيوخ شهد هذا العام تقليدًا جديدًا بإقامة حفل إفطارفى سابقة برلمانية لم تحدث من قبل، في وقت تعاني فيه آلاف الأسر من ضغوط معيشية قاسية وارتفاع مستمر في أسعار السلع الأساسية.
وما يزيد من غرابة المشهد أن عددًا من الأحزاب السياسية سار على النهج ذاته، فدخلت في سباق تنظيم موائد الإفطار والاحتفالات الرمضانية، في صورة أقرب إلى التنافس في المظاهر والاستعراض الاجتماعي، وكأن الأمر أصبح نوعًا من “الفشخرة” لا أكثر.
المشكلة ليست في مائدة إفطار هنا أو هناك، فـ شهر رمضان بطبيعته شهر تواصل وتراحم، لكن القضية الحقيقية تكمن في التوقيت والرسالة التي تصل إلى الناس، فحين يرى المواطن هذه المظاهر تتكرر بينما يعاني هو من ضغوط الحياة اليومية، فإن الشعور بالمرارة يتسلل إلى النفوس.
نعلم جيداً إن المجتمع المصري بطبيعته مجتمع صبور، وقد أثبت عبر تاريخه قدرته على التحمل في أصعب الظروف، المصريون يصبرون لأنهم يحبون هذا الوطن ويؤمنون بأن استقراره أهم من أي شيء آخر، لكن الصبر ـ مهما طال ـ يحتاج إلى قدر من الحكمة في إدارة الأمور، وإلى سياسات تراعي التوازن بين متطلبات الاقتصاد واحتياجات الناس.
السياسات الاقتصادية التي تعتمد فقط على لغة الأرقام قد تحقق نتائج على الورق، لكنها لا تكفي وحدها لصناعة مجتمع متماسك، خاصة وإن المجتمع ليس مجرد تقارير مالية أو مؤشرات اقتصادية، بل هو بشر لهم كرامة ومشاعر وأحلام بسيطة يريدون الحفاظ عليها.
لهذا فإن الحكمة تقتضي أن تبدأ دعوات ترشيد النفقات من مؤسسات الدولة نفسها، فحين يرى المواطن أن الحكومة ومؤسساتها تضرب المثل في الانضباط وترشيد الإنفاق، يصبح من السهل إقناعه بضرورة الصبر وتحمل الأعباء، أما إذا ظلت الرسائل متناقضة بين دعوات التقشف من جهة ومظاهر الإنفاق غير الضروري من جهة أخرى، فإن الفجوة بين المواطن ومؤسسات الدولة قد تتسع، وهو أمر لا يخدم أحدًا.
أمام هذا المشهد المتناقض، لا يمكن وصف ما يحدث إلا بأنه إنفاق يصل في كثير من الأحيان إلى حد الإسفاف المستفز، في توقيت بالغ الحساسية يئن فيه المواطن تحت وطأة التضخم وارتفاع الأسعار، فالأسر المصرية اليوم لم تعد تبحث عن رفاهية، بل تكافح بصمت من أجل توفير أبسط احتياجاتها اليومية.
إن الاستمرار في هذه المظاهر لا يبعث إلا برسائل سلبية، تعمّق الشعور بالفجوة وتزيد من حالة الاحتقان داخل البيوت المصرية، الناس لم تعد تحتمل المزيد من التناقض بين الأقوال والأفعال، ولم يعد مقبولًا أن يُطلب منها الصبر بينما ترى أمامها صورًا من إنفاق لا يعكس حجم الأزمة.
كفاكم استفزازًا للأسر المصرية، فالصبر له حدود، والوطن لا يُبنى فقط بالأرقام، بل بإحساس حقيقي بمعاناة الناس، وعدالة في توزيع الأعباء، وقدرة على ترجمة الدعوات إلى أفعال يشعر بها المواطن في حياته اليومية.