بوابة الدولة
بوابة الدولة الاخبارية

الكاتبة الصحفية أمال ربيع تكتب :الراحة النفسية.. لما تكتشف إن مصيبتك «ولا حاجة» جنب مصايب غيرك

الكاتبة الصحفية أمال ربيع
-

يقولون إن السعادة قرار، ويقول علماء النفس إن الراحة النفسية تبدأ من الداخل، لكن الحقيقة التي اكتشفها المواطن المصري البسيط بعد سنوات من التجارب والخصومات والديون هي أن الراحة النفسية تبدأ من الخارج، تحديدًا من قعدة مع واحد حالته أسوأ منك، تدخل القعدة مهموم، محمّل بفاتورة كهرباء، ومشكلة في الشغل، وزعل من مراتك، فتلاقي صاحبك يبدأ الكلام، “أنا يا عم العربية اتسحبت، والعيال اتخانقوا في المدرسة، وصاحب البيت رافع عليّ قضية طرد.”
في اللحظة دي، تشعر بشيء عجيب يحدث داخلك، فجأة فاتورة الكهرباء بقت خفيفة، ومشكلة الشغل بقت سوء تفاهم بسيط، وزعل مراتك بقى دلع وتبدأ تهز رأسك بحكمة وكأنك شيخ الطريقة الرفاعية، وتقول له “ بص يا صاحبي الدنيا بسيطة، أهم حاجة الصحة. ”
الغريب إنك قبل نص ساعة كنت على وشك تبيع صحتك دي نفسها مقابل شوية راحة، لكن لما سمعت مصايبه، اكتشفت إنك عايش في نعيم، وإن حياتك أقرب لمنتجع خمس نجوم مقارنة بحياته اللي شبه برنامج “الكاميرا الخفية” بس بدون ضحك.
هذه الظاهرة الشعبية العميقة تُعرف علميًا باسم “المقارنة الاجتماعية”، لكن عندنا في الحارة اسمها أبسط - “الحمد لله إني مش مكانه.”
الإنسان بطبعه لا يشعر بنعمة الهدوء إلا عندما يسمع ضجيج غيره، ولا يحس بقيمة الاستقرار إلا عندما يرى واحدًا يركض في الشارع وهو بيقول “ أنا ضعت- أنا ضعت !”، ساعتها تضع يدك على قلبك وتقول- “الحمد لله- أنا لسه معروف مكاني.”
ومن أجمل اللحظات النفسية في حياة أي إنسان، تلك اللحظة التي يسمع فيها صديقه يقول، “أنا مديون بمبلغ كبير ومش عارف أتصرف.”
فترد عليه وأنت تحاول إخفاء ابتسامة خفيفة- “لا حول ولا قوة إلا بالله، ربنا يفك كربك.”،وفي داخلك صوت صغير بيقول- “طب الحمد لله إن ديوني أصغر شوية - لسه في أمل!”
المضحك أن هذا النوع من الراحة النفسية لا يحتاج إلى جلسات علاجية، ولا إلى كورسات تنمية بشرية، ولا حتى إلى كتب “كيف تصبح سعيدًا في عشرة أيام”. كل ما تحتاجه هو صديق واحد فقط - بس بشرط أن يكون حياته ملخبطة بدرجة احترافية.
بل إن بعض الناس أصبحوا يتعاملون مع القعدات دي كأنها جلسات علاج جماعي، يجلسون في القهوة، وكل واحد يفتح دفتر مصايبه، ويبدأ العرض- واحد يشكي من الإيجار، والثاني من مرتبه، والثالث من حماته، والرابع من الدنيا كلها، وفي النهاية، يخرج الجميع بشعور غريب من الطمأنينة، لأن كل واحد اكتشف أن هناك من هو أسوأ حالًا منه بدرجة مريحة نفسيًا.
وهنا تتجلى عبقرية العقل البشري، فهو لا يبحث دائمًا عن الحل، بل أحيانًا يكتفي بأن يجد من يعاني أكثر منه، فيشعر تلقائيًا أنه ناجٍ من كارثة كونية.

هنا نتذكر المثل الشعبي الدارج " من رأى بلوة غيره هانت عليه بلوته"، فالبـلاء سُنَّة الله الجارية في خلقه؛ فهناك من يُبتلى بنقمة أو مرض أو ضيق في الرزق أو حتى بنعمة، فقد كتب الله على كل إنسان نصيبه من البـلاء؛ قال تعالى {إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا * إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا} [الإنسان: 2,3] .. فمنهم من سيفهم حكمة الله تعالى في ابتلاءه، فيهون عليه الأمر ، ومنهم من سيجزع ويتسخَّط، فيزداد الأمر سوءًا عليه .
كأن الإنسان لا يريد أن ينجو فقط، بل يريد أن يرى شخصًا آخر يغرق قبله، ليطمئن أن البحر لم يختاره وحده، والأطرف من ذلك، أن هذا الصديق التعيس لا يعرف أنه يؤدي دورًا إنسانيًا عظيمًا، فهو بالنسبة لك بمثابة “مضاد اكتئاب بشري”، وجوده وحده يرفع معنوياتك، وقصصه الحزينة تعمل كجلسة تأمل مجانية.،أنت تخرج من عنده تقول، “أنا كنت فاكر نفسي تعبان - طلعنا عايشين في جنة!”
لكن المشكلة الحقيقية تظهر عندما يتحسن حال هذا الصديق فجأة، يسدد ديونه، يشتري عربية، وتبدأ حياته تستقر، هنا تشعر بقلق داخلي، لأن مصدر راحتك النفسية اختفى، وتبدأ تبحث سريعًا عن شخص جديد مصايبه أكبر، حفاظًا على توازنك النفسي.
في النهاية، قد لا تكون هذه الطريقة مثالية للوصول إلى السلام الداخلي، لكنها صادقة وواقعية جدًا، وتعكس طبيعة البشر كما هي، لا كما تكتبها كتب التنمية البشرية المزخرفة، فنحن، ببساطة، نشعر بالراحة أحيانًا لا لأن حياتنا رائعة، بل لأن هناك من يعاني أكثر، وهذه حقيقة كوميدية مبكية في نفس الوقت.
لذلك، إذا شعرت يومًا بالضيق، لا تبحث عن طبيب نفسي ولا عن جزيرة منعزلة، فقط اتصل بصديقك الأشهر في المصائب، واجلس معه ساعة واحدة، وستعود إلى بيتك وأنت مقتنع تمامًا أنك أسعد إنسان على وجه الأرض، حتى لو كان معك نفس المشاكل القديمة.

كاتبة المقال الكاتبة الصحفية أمال ربيع مدير تحرير جريدة اخبار اليوم ومدير تحرير موقع بوابة الدولة الاخبارية