الكاتب الصحفى صالح شلبى يكتب : ارحموا من في الأرض .. كفاكم ضغطًا على أعناق المصريين

لم تعد الأزمة الاقتصادية في مصر مجرد أرقام تُتداول في بيانات رسمية أو تقارير حكومية، بل أصبحت أنينًا مسموعًا في كل بيت، وصمتًا ثقيلًا في عيون رب الأسرة حين يعود إلى منزله حاملاً أكياسًا أقل وديونًا أكثر. المواطن لم يعد يسأل عن الرفاهية أو تحسين مستوى المعيشة، بل يسأل فقط: كيف أعيش غدًا؟
لم تعد معاناة المصريين مجرد شكوى عابرة أوحالة اقتصادية عابرة، بل تحولت إلى واقع يومي ثقيل يعيشه الملايين في صمت موجع. الأزمة لم تعد في ارتفاع الأسعار وحده، بل في انهيار قدرة المواطن على التكيف معها، حتى أصبح السؤال الذي يتردد في كل بيت: كيف نعيش بما تبقى من راتب بعد أن نصل إلى العمل؟
الحكومة، بدلًا من أن تبحث عن حلول مبتكرة وعادلة، اختارت الطريق الأسهل والأقسى في آن واحد: رفع الأسعار. كلما واجهت عجزًا أو خللًا في سياساتها، ألقت العبء مباشرة على كاهل المواطن، وكأن هذا الشعب هو الخزينة الاحتياطية التي تُفتح كلما ضاقت الموازنة.
اليوم، يدفع الموظف البسيط 100 جنيه يوميًا مواصلات، أي ما يعادل 3000 جنيه شهريًا، للوصول فقط الى عملة بخلاف مصاريف المواصلات لاسرتة واولادة للذهاب الى المدارس والجامعات ، ولن نحسب تكاليف الفطار والغداء والعشاء والدروس والعلاج والدواء وفاتورة التليفون والنت والغاز والكهرباء والمياة ، وإذا كان راتبه يتراوح بين 3000 الى 6000 جنيه – وهو حال قطاع واسع من العاملين في الدولة والقطاع الخاص – فإن دخلة قد ضاع فى المواصلات الى عملة فقط ، ،قبل أن يدخل بيته، أي منطق اقتصادي يقبل أن يعمل الإنسان شهرًا كاملًا ليصرف راتبه على المواصلات فقط؟!
هذه ليست زيادات عادية، بل انفجار شامل في تكاليف الحياة يضرب النقل والغذاء والسكن في وقت واحد، المواطن لم يعد قادرًا على وضع ميزانية أسبوعية أو شهرية، لأن الأسعار تتغير أسرع من قدرته على الحساب.
الأخطر أن هذه الزيادات تأتي بينما الأجور ثابتة تقريبًا، والوظائف تتقلص، وأصحاب الأعمال الصغيرة يغلقون منشآتهم لأنهم لم يعودوا قادرين على دفع رواتب العمال بعد تضاعف تكاليف التشغيل - النتيجة: بطالة أعلى، وفقر أوسع، وطبقة متوسطة تتآكل يومًا بعد يوم، والكارثة الاكبر مرتبات المعاشات التى لا تثمن ولا تشبع من جوع .
وفي مقابل هذا المشهد القاسي، يتساءل المواطن: أين ترشيد الإنفاق الحكومي؟ كيف يُطلب من موظف أن يعيش بـ5000 جنيه، بينما يحصل بعض رؤساء الشركات والهيئات الاقتصادية على مئات الآلاف شهريًا بين راتب وبدلات ومكافآت وسيارات مخصصة وسائقين ووقود مجاني؟ أين العدالة في توزيع الأعباء؟
المشكلة لم تعد في الغلاء وحده، بل في إحساس الناس بأن التضحية تقع عليهم وحدهم - المواطن يشد الحزام حتى يختنق، بينما مظاهر الرفاهية الإدارية لا تزال قائمة - سيارات جديدة، مكاتب فاخرة، ومكافآت بلا سقف وحفلات أفطار وسحوررمضان فى افخم الفنادق فى تنافس شديد بين الوزرات والشركات بصورة مستفزة للشعب المصرى الذى لو رأى قرارات حقيقية بخفض هذه النفقات، لتقبلوا جزءًا من الأزمة، لكن ما يحدث هو العكس تمامًا.
وسط حالة الغضب الشعغبى ، جاءت تساؤلات النائب الدكتور فريدي البياضي داخل البرلمان منطقية حين سأل الحكومة، إذا كان التاجر الذي يرفع سعر سلعة اشتراها بالسعر القديم يُتهم بالجشع، فلماذا ترفع الحكومة أسعار الوقود فورًا، رغم امتلاكها مخزونًا تم شراؤه بالأسعار السابقة؟ وأين نتائج عقود التحوط التي قيل إنها ستخفف أثر تقلبات أسعار النفط؟
هذه الأسئلة لا تمثل معارضة سياسية بقدر ما تمثل صوت الشارع الذي يريد شفافية وعدلًا، المواطن من حقه أن يعرف كيف تُتخذ القرارات التي تمس لقمة عيشه، وعلى أي أساس يتم تحميله هذه الأعباء المتتالية
المأساة تمتد أيضًا إلى أصحاب المشروعات الصغيرة، صاحب الورشة أو المحل الذي كان يكافح لتوفير قوت عماله، أصبح اليوم عاجزًا عن دفع رواتبهم أو حتى فواتير الكهرباء والمواصلات، كثير منهم لم يجد حلًا سوى إغلاق أبوابه أو تسريح العمال، وهو ما يعني مزيدًا من الأسر التي تفقد مصدر دخلها الوحيد. هذه ليست أزمة أفراد، بل أزمة اقتصاد بأكمله
الكل يتسأل اين الحكومة واجهزتها الرقابية التي يفترض أن تضبط الأسواق، لكنها للاسف غائبة أمام جشع بعض التجار واحتكار السلع، الأسعار ترتفع بلا مبرر أحيانًا، وتختفي السلع لتعود بسعر أعلى، بينما المواطن هو الحلقة الأضعف في سلسلة طويلة من الفوضى الاقتصادية.
فى علم الاقتصاد- الدولة القوية لا تُقاس بقدرتها على رفع الأسعار أو زيادة الرسوم، بل بقدرتها على حماية مواطنيها في أوقات الشدة.
الرحمة ليست ضعفًا في الحكم، بل أساس الاستقرار- التاريخ يعلمنا أن الشعوب قد تتحمل الفقر، لكنها لا تتحمل الإحساس بالظلم
المطلوب اليوم قرارات واضحة لا تقبل التأجيل - وضع سقف حقيقي لرواتب رؤساء الشركات والهيئات الاقتصادية - خفض عدد السيارات الحكومية وتقليص امتيازات القيادات - ربط الأجور بمعدلات التضخم حتى لا يتحول الراتب إلى رقم بلا قيمة – إنقاذ أصحاب المعاشات برواتبهم الضعيفة الهشة - دعم المواصلات للعاملين، لأن الوصول إلى العمل أصبح عبئًا يفوق قدرة الملايين - تشديد الرقابة على الأسواق لضبط الأسعار ومنع الاحتكار
الرسالة التي يجب أن تصل إلى الحكومة واضحة موظف يعمل 30 يومًا في الشهرلينتظر الراتب الذى تلتهمة أجرة المواصلات للذهاب الى عملة ، هو مواطن على حافة الانفجار، لا على حافة الحياة
ارحموا هذا الشعب الذي صبر طويلًا، واحتمل أكثر مما يحتمل أي شعب آخر، ارحموا الأب الذي يعود إلى منزله خالي اليدين، والأم التي تحاول أن تصنع من القليل وجبة تكفي أبناءها، والشاب الذي يعمل ليلًا ونهارًا ولا يستطيع أن يحلم بمستقبل كريم
الرحمة في الحكم ليست رفاهية، بل هي صمام الأمان الوحيد لبقاء الأوطان مستقرة وآمنة

