بوابة الدولة
بوابة الدولة الاخبارية

المستشار محمد سليم يكتب : ماذا يا عرب تنتظرون من إسرائيل؟

 المستشار محمد سليم
-

لم يعد السؤال المطروح اليوم في العالم العربي هو ماذا تفعل إسرائيل، بل أصبح السؤال الأكثر إلحاحًا ومرارة ماذا ننتظر نحن منها، فإسرائيل منذ نشأتها لم تُخفِ يومًا طبيعة مشروعها ولا أهدافها التوسعية، بل أعلنتها صراحة وطبّقتها على الأرض بالقوة العسكرية والدعم الدولي، ومع ذلك لا يزال بعضنا يتعامل مع أفعالها وكأنها مفاجآت متكررة، رغم أن سجلها التاريخي حافل بكل ما يثبت عكس ذلك.
احتلت إسرائيل الضفة الغربية وقطاع غزة ومرتفعات الجولان، بعد أن كانت قد احتلت قبل ذلك شبه جزيرة سيناء وجنوب لبنان، ولم يكن ذلك مجرد انتصار عسكري عابر، بل كان بداية لمرحلة طويلة من فرض الأمر الواقع، عبر بناء المستوطنات وتغيير التركيبة السكانية وتهجير الفلسطينيين من أرضهم، في مخالفة صريحة لكل القوانين والمواثيق الدولية،
وعلى مدار أكثر من نصف قرن لم تتراجع إسرائيل خطوة واحدة عن سياساتها، بل زادت من وتيرة الاستيطان والتصعيد، مستفيدة من حالة الانقسام العربي ومن غياب موقف موحد قادر على ردعها أو حتى الضغط عليها دبلوماسيًا.

هنا يبرز السؤال الذي يفرض نفسه بقوة ماذا يا عرب تنتظرون من دولة قامت أساسًا على منطق القوة والاحتلال،الأحداث الأخيرة أثبتت أن إسرائيل لا تكتفي بما حققته من مكاسب على الأرض، بل تسعى إلى توسيع دائرة الصراع لتشمل أطرافًا إقليمية أخرى وعلى رأسها إيران، في محاولة واضحة لجرّ المنطقة إلى مواجهة شاملة تستنزف قدرات الدول العربية وتُبعد الأنظار عن القضية الفلسطينية، لتتحول من صراع عربي إسرائيلي إلى صراع إقليمي واسع تتشابك فيه المصالح الدولية،
وفي الوقت الذي تتسارع فيه هذه المخاطر برز الموقف المصري كأحد أكثر المواقف اتزانًا ووضوحًا، فقد أكدعبد الفتاح السيسي اليوم خلال فعاليات مؤتمر ومعرض مصر الدولي للطاقة إيجبس 2026، أن استمرار الحروب والنزاعات في الشرق الأوسط يشكل تهديدًا مباشرًا ليس فقط لأمن المنطقة بل للاستقرار العالمي بأسره، موجّهًا رسالة مباشرة إلى دونالد ترامب - دعاه فيها إلى التدخل الفوري لإيقاف النزاعات واحتواء التصعيد، مؤكدًا أن الولايات المتحدة تمتلك القدرة على وقف دوامة العنف إذا توفرت الإرادة السياسية.
حديث الرئيس السيسى اليوم لم يكن مجرد خطاب بروتوكولي في مؤتمر دولي، بل كان رسالة صريحة تحمل تحذيرًا واضحًا من أن المنطقة تقف على حافة مرحلة شديدة الخطورة، وأن استمرار الصراعات لن يقتصر تأثيره على الشرق الأوسط بل سيمتد ليهدد استقرار الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة، واختيار منصة مؤتمر الطاقة لم يكن مصادفة بل إشارة ذكية إلى أن أمن الطاقة العالمي يبدأ من استقرار هذه المنطقة الحيوية.
لقد تحدث الرئيس عبد الفتاح السيسى بلسان دولة خاضت الحرب والسلام مع إسرائيل ودفعت ثمن الصراعات من دماء أبنائها واقتصادها واستقرارها، ففي حرب أكتوبر استطاعت مصر أن تفرض معادلة جديدة حين أثبتت أن الاحتلال ليس قدرًا دائمًا وأن الإرادة السياسية والعسكرية قادرة على تغيير موازين القوى متى توفرت الوحدة والتخطيط، ومع ذلك فإن الأخطر من الصمت على العدوان العسكري هو الصمت على التشريعات التي تضرب عرض الحائط بكل القيم الإنسانية، فقد أقر الكنيست الإسرائيلي مشروع قانون يسمح بإعدام الأسرى الفلسطينيين، في سابقة تمثل انتهاكًا صارخًا لاتفاقيات جنيف والقانون الدولي الإنساني، وهو قرار لا يستهدف الفلسطينيين وحدهم بل يفتح الباب أمام مرحلة أكثر قسوة في إدارة الصراع.
والسؤال الذي يطرح نفسه بقوة أين الصوت العربي من هذا القانون، وأين كانت القرارات الجماعية التي تعكس خطورة هذا التشريع.

إن الصمت في مثل هذه القضايا لا يُفسَّر حيادًا بل يُقرأ ضعفًا في عالم السياسة، وهو ما يشجع الطرف الآخر على المضي قدمًا في سياساته دون خشية من رد فعل حقيقي.
وفي المقابل شهدنا مواقف حادة من دول بعيدة جغرافيًا عن الصراع مثل إسبانيا التي لم تتردد في طرد السفير الإسرائيلي وسحب سفيرها من إسرائيل،احتجاجًا على سياساتها العسكرية وانتهاكاتها المتكررة، وهي خطوة لم تكن مجرد إجراء دبلوماسي عابر بل رسالة سياسية قوية تؤكد أن هناك دولًا مستعدة لتحمل كلفة الموقف دفاعًا عن مبادئ العدالة وحقوق الإنسان،
وهنا تبدو المفارقة مؤلمة، فبينما تتحرك دول أوروبية وأمريكية لاتينية بمواقف واضحة وصارمة، يظل الموقف العربي في كثير من الأحيان حبيس البيانات التقليدية التي لم تعد تخيف أحدًا، ولا تمنع إسرائيل من الاستمرار في سياساتها أو التمادي في تجاوزاتها.
إن إسرائيل لا تخشى الإدانات اللفظية بل تخشى فقط المواقف التي تتحول إلى إجراءات سياسية أو اقتصادية أو قانونية ملموسة، والتاريخ الحديث يثبت أنها لا تتراجع إلا عندما تشعر بأن كلفة أفعالها أصبحت أعلى من مكاسبها.
ماذا تنتظرون يا عرب، ماذا تنتظرون بعد أن أصبح قتل الأطفال في غزة خبرًا عاديًا، وبعد أن باتت القوانين التي تشرّع إعدام الأسرى تمرّ في برلمانات الاحتلال دون ردود فعل عربية توازي خطورتها، ماذا تنتظرون بعد أن اتخذت دول بعيدة مثل إسبانيا مواقف أكثر حدة ووضوحًا من بعض أصحاب القضية أنفسهم،
إن التاريخ لا يرحم المترددين، ولا يسجل الأعذار بقدر ما يسجل المواقف، والأجيال القادمة ستسأل أين كنتم حين كانت خرائط المنطقة تُعاد رسمها، وأين كانت قراراتكم حين كانت الحقوق تُسلب والأوطان تُهدد.
إن اللحظة الراهنة لا تحتمل المجاملة ولا الحسابات الضيقة، فإما أن يدرك العرب أن أمنهم واحد ومصيرهم مشترك، وإما أن يظل كل طرف يواجه مصيره منفردًا حتى تتسع دائرة الخطر لتشمل الجميع، فإسرائيل تراهن على تفرقنا، وتراهن على أن يظل كل بلد عربي منشغلًا بأزماته الداخلية بعيدًا عن رؤية الصورة الكبرى.
ولهذا يبقى السؤال معلقًا في الهواء موجّهًا إلى كل مسؤول وصاحب قرار في العالم العربي، ماذا يا عرب تنتظرون من إسرائيل وقد أثبتت لكم عبر التاريخ كله أنها لا تعترف إلا بلغة القوة، ولا تتراجع إلا تحت ضغط حقيقي، إن الإجابة لن تُكتب في المقالات ولا في الخطب بل ستُكتب في القرارات التي تُتخذ الآن قبل أن يصبح الندم مجرد كلمة في كتب التاريخ.

كاتب المقال المستشار محمد سليم عضو المحكمة العربية وعضو اللجنة الدستورية والتشريعية بمجلس النواب السابق والمحامى بالنقض