بوابة الدولة
بوابة الدولة الاخبارية

النائب أحمد قورة يكتب : أنقذوا أصحاب المعاشات

النائب احمد قورة
-

في زحام القرارات الاقتصادية، وبين أرقام الموازنات وخطط الإصلاح، تقف فئة صامتة على هامش المشهد، لا تملك رفاهية الاحتجاج ولا صوتًا عاليًا يفرض نفسه، لكنها تملك وجعًا يوميًا لا يخفى على أحد، إنهم أصحاب المعاشات، الذين أفنوا أعمارهم في خدمة هذا الوطن، ثم وجدوا أنفسهم في مواجهة قاسية مع الحياة، بلا سند كافٍ ولا دخل يليق بكرامتهم.
نحو 11 مليون مواطن مصري يعيشون اليوم على المعاش، رقم ليس بالهين، بل يمثل شريحة ضخمة من المجتمع، تمتد آثارها إلى ملايين الأسر، هؤلاء لم يكونوا يومًا عبئًا على الدولة، بل كانوا عمادها الحقيقي في مختلف القطاعات، من التعليم إلى الصحة، ومن المصانع إلى دواوين الحكومة، دفعوا من أعمارهم وجهدهم، واقتُطع من دخولهم لصالح نظام تأميني كان من المفترض أن يضمن لهم حياة كريمة بعد التقاعد، لا أن يتركهم فريسة للفقر والاحتياج.
المشهد اليوم مؤلم بكل المقاييس، معاشات هزيلة لا تكفي لتغطية أبسط احتياجات الحياة، في وقت أصبحت فيه الأسعار تحلق بلا سقف. الغذاء لم يعد في متناول الجميع، والدواء صار عبئًا ثقيلًا، خاصة وأن نسبة كبيرة من أصحاب المعاشات من كبار السن الذين يحتاجون إلى رعاية صحية مستمرة. المفارقة المؤلمة أن من أفنى عمره في خدمة الناس، لا يجد اليوم من يخفف عنه أوجاع المرض أو حتى يؤمّن له علاجًا لائقًا.
الأزمة لا تتوقف عند حدود الأرقام، بل تمتد إلى الإحساس العميق بالتهميش، فعندما تُعلن الحكومة عن حزمة اجتماعية لرفع الحد الأدنى للأجور إلى 8 آلاف جنيه، مع زيادات للعاملين في قطاعات مختلفة، دون أي إشارة واضحة لأصحاب المعاشات، فإن الرسالة التي تصل إليهم قاسية، أنكم خارج الحسابات.
وهنا يطرح السؤال نفسه بقوة، كيف يتم رفع الحد الأدنى للأجور دون أن يواكبه تحريك عادل للمعاشات؟ أليس من المنطقي، بل ومن العدل، أن يكون هناك ربط واضح بين الأجور والمعاشات، خاصة وأن القاعدة التأمينية تقوم في جوهرها على أن المعاش هو امتداد طبيعي للأجر؟
الحديث عن أصحاب المعاشات يجب أن يكون حديثًا عن الكرامة قبل الأرقام، هؤلاء لا يطلبون ترفًا ولا رفاهية، بل الحد الأدنى من الحياة الإنسانية، يطلبون معاشًا يكفي طعامهم ودواءهم، ورعاية صحية تحفظ ما تبقى من أعمارهم، وإحساسًا بأن الدولة التي خدموها لم تنسهم.
من المؤلم أن نجد ملايين يتقاضون معاشات تقل عن ألف جنيه، بل وهناك من يعيش بأقل من ذلك بكثير، كيف يمكن لإنسان أن يواجه متطلبات الحياة بهذا المبلغ؟ كيف يشتري دواءه؟ كيف يدفع فواتيره؟ وكيف يحافظ على كرامته أمام أسرته وأبنائه؟
الأخطر من ذلك أن بعض أصحاب المعاشات لا يزالون يعولون أسرًا كاملة، في ظل بطالة الأبناء أو ضعف دخولهم، ومن يحتاج الى دروس خصوصية ومن يحتاج للزواج ، وهنا تتحول المعاناة إلى مأساة مركبة، لا تخص فردًا واحدًا بل تمتد إلى بيت بأكمله.
القضية أيضًا ليست مالية فقط، بل إدارية وتشريعية، فهناك تساؤلات مشروعة حول أموال التأمينات، وكيفية إدارتها، ومدى استفادة أصحابها الحقيقيين منها، هذه الأموال ليست منحة من الدولة، بل هي حقوق أصيلة لأصحابها، ويجب التعامل معها بشفافية وعدالة كاملة.
إن تجاهل هذه الفئة لا يمكن تبريره بأي حال، خاصة وأنها تمثل كتلة اجتماعية كبيرة، بل ربما تكون الأكثر احتياجًا للرعاية. وإذا كانت الدولة تتحرك لحماية محدودي الدخل، فإن أصحاب المعاشات في مقدمة هذه الفئات، لا في ذيلها.
الحل ليس مستحيلًا، بل يبدأ بإرادة حقيقية للاعتراف بالمشكلة، رفع الحد الأدنى للمعاشات إلى مستوى يواكب تكاليف المعيشة لم يعد رفاهية، بل ضرورة ملحة، تنفيذ الأحكام القضائية المتعلقة بالعلاوات، وعلى رأسها العلاوات الخمس وأيضا العلاوة الاستثنائية ، هو استحقاق قانوني قبل أن يكون مطلبًا اجتماعيًا، فإن تحسين منظومة التأمين ضرورة لا تحتمل التأجيل، خاصة لهذه الفئة العمرية، كما أن التفكير خارج الصندوق أصبح واجبًا، سواء من خلال أدوات استثمارية آمنة تدرعائدًا مناسبًا لأصحاب المعاشات، أو من خلال برامج دعم مباشرة تضمن لهم حياة كريمة.
في النهاية، القضية ليست مجرد أرقام في دفاتر الحكومة، بل هي اختبار حقيقي لمدى التزام الدولة بالعدالة الاجتماعية. أصحاب المعاشات لا يريدون أكثر من حقهم، ولا يستحقون أقل من ذلك،إن إنقاذ أصحاب المعاشات ليس خيارًا، بل واجب، واجب إنساني قبل أن يكون اقتصاديًا أو سياسيًا.

كاتب المقال النائب أحمد قورة عضو لجنة النقل والمواصلات بمجلس النواب السابق