بوابة الدولة
بوابة الدولة الاخبارية

المستشار محمد سليم يكتب: الشعب المصري يحتفي بعيد القيامة في لوحة وحدة وطنية

المستشار محمدسليم
-

في كل عام، ومع حلول عيد القيامة المجيد، تتجدد في مصر واحدة من أعظم صورها الإنسانية والحضارية، صورة لا تحتاج إلى تزييف أو تجميل، بل تفرض نفسها بقوة الواقع والتاريخ، وهي صورة المحبة الصادقة والوحدة الوطنية الراسخة بين أبناء الشعب المصري. هنا، لا يكون العيد مناسبة تخص فئة دون أخرى، بل يتحول إلى عيد لكل المصريين، تتعانق فيه القلوب قبل الأيادي، وتختفي فيه كل الفوارق أمام حقيقة راسخة: أن مصر ستظل وطنًا للجميع.
ويأتي مساء اليوم السبت، حيث تتجه أنظار المصريين إلى الكاتدرائية المرقسية بالعباسية، لمتابعة قداس عيد القيامة المجيد، في مشهد روحاني مهيب يعكس عمق الإيمان وروح التآخي التي تميز هذا الشعب. ولا يقتصر الحضور على أبناء الكنيسة فقط، بل يمتد وجدانيًا ليشمل كل المصريين الذين يشاركون إخوتهم فرحة العيد، في صورة تؤكد أن النسيج الوطني المصري واحد لا يتجزأ.
إن مشهد تبادل التهاني بين المسلمين والمسيحيين ليس مجرد طقس اجتماعي عابر، بل هو انعكاس حقيقي لوعي شعب أدرك أن قوته في وحدته، وأن تماسكه هو الحصن الحصين في مواجهة التحديات. فالمصري بطبعه لا يعرف الفرقة، بل ينحاز دائمًا لفكرة الوطن الجامع، الذي يحتضن الجميع دون تمييز.
وتبرز هذه الروح في رسائل التهنئة التي تُوجَّه إلى قداسة البابا تواضروس الثاني، بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية، والتي تعكس عمق العلاقات الوطنية بين مؤسسات الدولة والكنيسة المصرية، في مشهد يعبر عن دولة راسخة تعرف قيمة الوحدة والتكاتف.
ولم يكن اختيار التليفزيون المصري لنقل فعاليات القداس مجرد إجراء إعلامي، بل هو رسالة وطنية بامتياز، تؤكد أن الفرح واحد، وأن الدولة حريصة على مشاركة جميع أبنائها في مناسباتهم الدينية. ويأتي نقل القداس هذا العام بإمكانيات تقنية غير مسبوقة، حيث تشارك 22 كاميرا موزعة بعناية داخل الكاتدرائية، لتقديم صورة متكاملة تعكس جلال المناسبة وروحانيتها، إلى جانب 3 سيارات بث مباشر لضمان أعلى جودة في نقل الحدث للمشاهدين.
ولم يتوقف التطوير عند هذا الحد، بل تم الاستعانة بأحدث أنظمة الإضاءة لإبراز التفاصيل الجمالية داخل الكاتدرائية بشكل احترافي، فضلًا عن استخدام كاميرا "درون" لتقديم لقطات جوية مبهرة تضيف بُعدًا بصريًا جديدًا، وتنقل أجواء الاحتفال بصورة شاملة تعكس عظمة الحدث.
إن هذه التغطية المتطورة لا تعكس فقط تقدمًا تقنيًا، بل تعكس في جوهرها احترام الدولة لكل مناسبات أبنائها، وحرصها على إبراز الصورة الحقيقية لمصر، تلك الصورة التي تقوم على التعدد والتسامح والتعايش.
وعلى مدار التاريخ، كانت الوحدة الوطنية المصرية هي السد المنيع أمام كل محاولات الفتنة، فقد حاولت قوى كثيرة النيل من هذا التماسك، لكنها فشلت جميعًا، لأن المصريين يمتلكون وعيًا فطريًا يدرك أن أي مساس بوحدتهم هو تهديد مباشر لوطنهم. ومن هنا، كانت ثورة 1919 شاهدًا خالدًا على هذا التلاحم، حين وقف الهلال إلى جوار الصليب في مشهد سيظل محفورًا في ذاكرة الوطن.
ولا يمكن إغفال الدور الوطني الكبير الذي تقوم به الكنيسة المصرية، بقيادة قداسة البابا تواضروس الثاني، في ترسيخ قيم المواطنة والتسامح، إلى جانب دور المؤسسات الدينية الإسلامية، في تكامل يعكس نضج الدولة المصرية وقدرتها على إدارة التنوع بروح من الحكمة والوعي.
إن الاحتفال بعيد القيامة المجيد ليس مجرد مناسبة دينية، بل هو تجديد للعهد بين أبناء الوطن على التمسك بقيم المحبة والسلام، ونبذ كل أشكال التعصب والانقسام. هو رسالة قوية للعالم بأن مصر، رغم التحديات، ما زالت قادرة على تقديم نموذج فريد في التعايش الإنساني.
وفي النهاية، تبقى الحقيقة الأهم أن قوة مصر لا تكمن فقط في مؤسساتها، بل في شعبها العظيم، في هذا الترابط الفريد الذي يجمع بين أبنائه، ويجعلهم قادرين على تجاوز كل الصعاب. إنها وحدة راسخة، لا تهتز، ومحبة صادقة، لا تنكسر.
كل عام ومصر بخير، وكل عام وشعبها أكثر تماسكًا، فهنا في هذا الوطن، لا نحتفل بالأعياد فقط… بل نحتفل ببعضنا البعض.

كاتب المقال المستشار محمد سليم عضو المحكمة العربية وعضو اللجنة الدستورية والتشريعية بمجلس النواب السابق والمحامى بالنقض