الكاتب الصحفى عبدالناصر محمد يكتب : حوريات الجنة .. وسفراء جهنم !!

أرى موكبا مهيبا تتصدره عدد من الحوريات هن كالياقوت والمرجان وأقرب إلى اللؤلؤ المكنون .. يطوف الموكب الذى يشبه مواكب العرس أروقة الجنة .. حوله ولدان مخلدون يعلنون فرحة السماء بإستقبال سبعة شهيدات من زهرة شباب مصر .. ها هو خازن الجنة يقف بكل أبهة وعظمة هو الآخر ليكون فى شرف إستقبال موكب الشهيدات الذين راحوا ضحايا حريق أشعل اللهب فى صدور الجميع وكشف عورات أجهزة حكومية ترفع شعار الفساد والإهمال.
وأرى سيدات ثكالى متشحات بالسواد يلطمن خدودهن بكل حسرة وهؤلاء رجال يبكون دماً بدلاً من الدموع بعد أن خارت قواهم وتبعثر ثباتهم ، وقد دخلوا جميعا فى حالات هيستيرية شديدة القسوة بعد أن فقدوا فلذة أكبادهم وأحترقت قلوبهم التى تنزف ألماً شديداً بنيران فراق أعز الناس تماما كما أحترقت أجساد بناتهم اللاتى كن من خيرة شباب الوطن.
قبل أيام شهدت منطقة أرض الجنينة بحى الزاوية الحمراء بمحافظة القاهرة مصيبة كبرى أدمت قلوب الجميع حين شب حريق هائل فى أحد المصانع و المخازن الموجود بشارع محمد أمين وكان بداخله عدد من العاملات جميعهن فى مقتبل العمر كن يبحثن عن مصدر دخل لمساعدة أهاليهم فى شراء مستلزمات زواجهن والمساهمة فى توفير متطلبات أسرهن فى ظل هذه الظروف المعيشية شديدة الصعوبة التى تواجه السواد الأعظم من الشعب المصرى خلال هذه الفترة العصيبة.
تلك المأساة القاسية التى أدمت قلوب الجميع تجعلنا نفتح واحدا من أهم الملفات المسكوت عنها والتى سبق أن حذرنا منها فى مقالات سابقة وهذا الملف يرتبط بالعدد الهائل من المصانع والورش والمخازن الموجودة وسط التكتلات السكانية والتى لا يتوافر بها عنصر الأمان مطلقا وذلك تحت أعين جميع الأجهزة المعنية والتى تكتفى عناصرها الفاسدة بتلقى الإكراميات والرشاوى دون النظر فى حجم الخطورة التى تنتج عنها هذه المخالفات.
تشير الإحصائيات الرسمية الصادرة من الجهاز المركزى للتعبئة العامة والإحصاء أن ٦٠ % من النشاط الصناعى فى محافظتى القاهرة والجيزة فقط يقع داخل الحيز السكنى أى نحو ٤٢ ألف مصنع ، بخلاف عشرات الآلاف من الورش العاملة فى مختلف الأنشطة تمارس نشاطها بكل أريحية لا تجد رقابة من أى مسئول فهم يعرفون وسيلة التعامل مع أى موظف فى مختلف الأجهزة الحكومية ، كما أن الموظف نفسه يعلم جيدا أنه فى حالة وقوع كارثة كالتى شهدتها الزاوية الحمراء قبل أيام أنه لن يتعرض لأى مسائلة.
قبل نشوب الحريق أصدرت وزارة الصناعة في أبريل الحالى القرار رقم ٧٣ لسنة ٢٠٢٦ والذى يقضي بزيادة عدد الأنشطة الصناعية المسموح بوجودها داخل الكتل السكنية من ١٧ نشاطاً إلى ٦٥ نشاطاً ، شرط ألا تسبب أضراراً جسيمة للبيئة وتلتزم باشتراطات سلامة صارمة ، وذلك بدلا من أن تقوم الوزارة بمنع أو تقليص عدد الأنشطة التى تمارس وسط التكتلات السكانية ، خاصة وأنها لا تمارس دورها الرقابى على هذه الأنشطة وبالتالى لن يكون هناك أى إلتزام بمعايير البيئة والسلامة وتكون النتيجة وقوع مثل هذه الكوارث التى يدفع ثمنها ضحايا لا ذنب لهم سوى السعى وراء لقمة العيش.
وما يؤكد أن هناك تخبط حكومى واضح أن الحكومة أكدت مؤخراً عدم تجديد تراخيص أي مصنع يقع داخل منطقة سكنية ، مع إلزام أصحابه بالانتقال إلى الأراضي المخصصة في المناطق الصناعية فى الوقت الذى تتخذ فيه وزارة الصناعة قرارا بزيادة عدد الأنشطة.
لقد كان رحيل تلك الفتيات كالشهاب الذى أضاء لنا عتمة قلوب أولى الأمر فى هذه الحكومة التى لم يتحرك لها جفن وهى ترى حال هؤلاء الأسر التى تلاشت أحلامهم أمام أعين الجميع فى لحظات ، لم تتخذ الحكومة إجراءات ضد أباطرة الفساد من رجالها بل إكتفت بالفرجة على زفاف هؤلاء الفتيات إلى قبورهن ، ولم تبال بإحتراق قلوب المواطنين على هؤلاء الضحايا من الفتيات المكافحات.
الشعور بآلام السعير الذى أصاب الفتيات السبعة أثناء الحريق وأدى إلى وفاتهن وحرمانهم من إستكمال أحلامهم كان هو الجسر الذى عبروا من خلاله إلى جنة الخلد التى تجرى من تحتها الأنهار فهن الخيرات الحسان ، وفى الوقت نفسه سيكون هذا الحريق الذى إنكوت به أجساد تلك الفتيات سبباً رئيسياً فى الزج بسفراء جهنم من المسئولين الفاسدين فى نار الجحيم وستتحول الدماء الذكية للضحايا إلى شلال من ماء السعير هو كالمهل يشوى وجوه كل المقصرين فى أداء عملهم.
وعزاؤنا الوحيد أن هؤلاء البنات هن فراشات الجنة ونورا صعد للسماء وستظل سيرتهم العطرة باقية فى القلوب.
كاتب المقال الكاتب الصحفى عبدالناصر محمد مدير تحرير بوابة الدولة الإخبارية والخبير المالى والإقتصادى

