المستشار محمد سليم يكتب: الابتسامة التي يراها الله

في زحام التفاصيل اليومية، قد تمر علينا مواقف تبدو عابرة، لكنها في حقيقتها تحمل دروسًا أخلاقية عميقة، تعيد صياغة فهمنا لمعنى الإنسانية، وتضعنا أمام اختبار حقيقي لصدق نوايانا قبل أفعالنا.
أحد هذه المواقف، رواها صديقاً كان حاضرًا في مجلس صديقٍ عُرف بالكرم وحُسن الاستقبال، يقول بينما كنا نتبادل أطراف الحديث في أجواء يغمرها الود، دخل علينا رجل كفيف من الجيران ، لم يكن المشهد عاديًا كما قد يتصور البعض، بل كان كاشفًا لمعنى أعمق من مجرد استقبال ضيف.
استقبله صاحب المجلس بحفاوة بالغة، وارتسمت على وجهه ابتسامة صادقة، وانحنى قليلًا بوجهه في إيماءة ترحيب، وتحدث إليه بنبرة دافئة توحي بكل معاني الاحترام والتقدير، وكأن الرجل أمامه يرى كل تفصيلة من تعبيراته.
يقول صديقى ،راقبت المشهد بدهشة، فالرجل لا يرى، وصاحب المجلس يتصرف وكأنه أمام شخص يقرأ ملامحه حرفًا حرفًا،وحين انصرف الضيف، لم أتمالك فضولي، فسألته “الرجل كفيف، لن يرى ابتسامتك ولا ملامحك، فلماذا كل هذا الحرص؟”
هنا، لم يكن الرد عاديًا، بل كان درسًا في جوهر الأخلاق، نظر إليّ بهدوء وقال “ألم تقرأ قوله تعالى: {عَبَسَ وَتَوَلَّىٰ * أَن جَاءَهُ الْأَعْمَىٰ}؟ هل سألت نفسك يومًا لماذا عاتب الله نبيه ﷺ على عبوس لم يره الأعمى؟”
لحظة صمت قصيرة كانت كفيلة بأن تفتح بابًا واسعًا للتأمل، ثم أكمل حديثه قائلاً لأن العبرة ليست بما يراه الناس، بل بما يراه الله، نحن لا نُحسن لأن غيرنا يلاحظ، بل لأن الله يعلم ما في القلوب.”
هذه الواقعة، على بساطتها، تختصر أزمة حقيقية يعيشها كثيرون، حيث تحولت الأخلاق لدى البعض إلى مجرد مظاهر تُمارس أمام العيون، وتغيب حين يغيب الرقيب البشري، بينما الحقيقة أن الأخلاق تُختبر في الخفاء أكثر مما تُختبر في العلن.
فالإنسان الكفيف قد لا يرى ابتسامة الوجه، لكنه يشعر بنبرة الصوت، وصدق الترحيب، وحرارة المشاعر،هناك لغة أعمق من البصر، لغة تصل إلى القلب مباشرة دون وسيط ، وهي اللغة التي لا يمكن تزييفها، لأنها تنبع من الداخل.
إن الإحسان الحقيقي لا يُقاس بردود أفعال الآخرين، بل بمدى صدقه، حين تُحسن، فأنت في الحقيقة تُهذب نفسك، وتُربي فيها قيمة الإخلاص. تُعلمها أن تفعل الخير لأنه خير، لا لأنه سيُرى أو يُمدح.
ولعل أخطر ما نواجهه هو أن تتحول القيم إلى “عرض مسرحي” يُقدم عند الحاجة فقط، حينها يفقد الفعل معناه، ويتحول إلى وسيلة لكسب الإعجاب، لا لبناء النفس، بينما الأخلاق في جوهرها هي ما يبقى ثابتًا، سواء كان هناك من يراك أو لا.
القصة هنا ليست عن رجل كفيف، بل عن بصيرة إنسان، عن فهم عميق لمعنى الإحسان، وعن إدراك أن الله ينظر إلى القلوب قبل الأفعال، فليست القضية في أن تُظهر الابتسامة، بل أن تكون صادقًا فيها.
نحن بحاجة إلى مراجعة بسيطة، لكن صادقة، لأنفسنا، أن نسأل هل نتصرف بنفس القدر من الاحترام مع الجميع؟ هل نحافظ على أخلاقنا حين لا يرانا أحد؟ هل نُحسن لأننا نؤمن بالإحسان، أم لأننا ننتظر المقابل؟ الإجابة على هذه الأسئلة هي التي تحدد قيمتنا الحقيقية، لا أمام الناس، بل أمام الله.
في النهاية، تبقى الرسالة الأهم، أن هناك أفعالًا قد لا تُرى، لكنها لا تضيع، وأن ابتسامة صادقة، حتى وإن لم تقع عليها عين، فإنها تقع في موضع أعظم، حيث تُرفع، وتُحسب، وتُجازى، لأن الله لا ينظر إلى صورنا، بل إلى قلوبنا.
كاتب المقال المستشار محمد سليم عضو المحكمة العربية وعضو اللجنة الدستورية والتشريعية بمجلس النواب السابق والمحامة بالدستورية والنقض

