المستشار محمد سليم يكتب: قانون الأسرة بين حماية البيت المصري ورفض تحويله إلى ساحة صراع وانتقام

في الوقت الذي فتحت فيه الدولة المصرية باب الحوار المجتمعي حول مشروع قانون الأسرة الجديد، بات من الضروري أن يشارك الجميع في هذا النقاش بعقلٍ واعٍ ومسؤولية وطنية، بعيدًا عن المزايدات والشعارات المستوردة التي لا تُناسب طبيعة المجتمع المصري ولا ثوابته الدينية والاجتماعية.
قانون الأسرة ليس مجرد مواد قانونية تُكتب داخل قاعات مغلقة، وإنما هو تشريع يمس كل بيت مصري، ويرتبط بصورة مباشرة باستقرار المجتمع وحماية الأجيال القادمة، ولذلك فإن أي خلل في صياغته ستكون له آثار اجتماعية خطيرة قد تمتد لعقود طويلة.
ولا خلاف على أن بعض القوانين الحالية تحتاج إلى مراجعة حقيقية تضمن تحقيق العدالة للطرفين، وتحفظ حقوق المرأة والرجل والأبناء، لكن الخطورة تكمن في بعض الطروحات التي تسعى إلى نقل نماذج غربية أثبتت فشلها، وأدت إلى تفكك الأسرة وانتشار العزوف عن الزواج وارتفاع نسب التفكك الأخلاقي والاجتماعي.
ومن أخطر ما يُثار في بعض المقترحات المتعلقة بقانون الأسرة، مسألة إلغاء دور الولي في الزواج، والسماح للفتاة بتزويج نفسها دون الرجوع لأسرتها.
هذه القضية لا تتعلق فقط بإجراء قانوني، وإنما ترتبط ببنية المجتمع المصري وترابط الأسرة ودور الأب في حماية ابنته والحفاظ على مستقبلها.
فالولاية في الزواج لم تُشرع للانتقاص من المرأة، وإنما جاءت لحمايتها من الاستغلال أو التسرع أو الوقوع في اختيارات غير ناضجة، خاصة في مرحلة عمرية قد تغلب فيها العاطفة على الحكمة.
كما أن معالجة بعض الحالات الاستثنائية مثل تعسف بعض الأولياء، لا يكون بإلغاء الأصل بالكامل، وإنما بوضع ضوابط قانونية عادلة تحفظ الحقوق دون هدم الثوابت.
كذلك فإن ملف الرؤية والحضانة يحتاج إلى معالجة متوازنة تُراعي مصلحة الطفل أولًا، لا أن يتحول الأب بعد الطلاق إلى مجرد ممول مالي محروم من دوره التربوي والإنساني.
فالطفل يحتاج إلى أمه كما يحتاج إلى أبيه، وأي قانون يُقصي أحد الطرفين سيخلق أجيالًا تعاني اضطرابات نفسية واجتماعية خطيرة.
ومن غير المقبول أن تتحول الخلافات الزوجية إلى معارك انتقامية يدفع ثمنها الأبناء.
فالعلاقة بين الأب وأولاده لا يجوز اختزالها في ساعات محدودة داخل أماكن مغلقة، لأن التربية ليست نفقة فقط، وإنما مشاركة يومية في بناء الشخصية والقيم والانتماء.
وفي المقابل، فإن من حق المرأة المطلقة وأبنائها الحصول على حياة كريمة ونفقة عادلة تكفل لهم الاستقرار، طالما كان الأب قادرًا على الإنفاق، لأن الأبناء ليسوا طرفًا في الخلافات الزوجية، ولا يجوز أن يتحملوا نتائجها.
أما ما يُثار حول بعض المواد المتعلقة بسهولة فسخ الزواج خلال الأشهر الأولى، فإنه يفتح الباب أمام هشاشة العلاقة الزوجية ويجعل الانفصال قرارًا سريعًا لأسباب قد تكون عابرة أو قابلة للعلاج بالحوار والتفاهم.
فالزواج مؤسسة تحتاج إلى الاستقرار والصبر وتحمل المسؤولية، وليس عقدًا مؤقتًا قابلًا للإنهاء عند أول خلاف أو صدمة اجتماعية.
كما أن العدالة تقتضي أن تكون الحقوق والواجبات متوازنة بين الطرفين، فلا يجوز أن تُصاغ بعض المواد بروح الانتصار لطرف على حساب الآخر، لأن القانون عندما يفقد توازنه يتحول من وسيلة لتحقيق العدالة إلى أداة لإشعال النزاعات.
وفيما يتعلق بقضية التعدد، فإنها من القضايا التي يجب تناولها بهدوء وعقلانية بعيدًا عن المزايدات.
فالشريعة الإسلامية نظمت التعدد بضوابط وشروط واضحة قائمة على العدل والقدرة وتحمل المسؤولية، ولم تجعله بابًا مفتوحًا بلا قيود، كما لم تمنعه بصورة مطلقة.
ومن ثم فإن أي تشريع يجب أن يُراعي التوازن بين الحفاظ على الحقوق ومنع التعسف، دون أن يصطدم بثوابت الشريعة أو يخلق أزمات اجتماعية جديدة قد تدفع البعض إلى التحايل أو الدخول في علاقات غير مستقرة تضيع فيها الحقوق.
كذلك فإن الحديث عن سن الزواج يجب أن يتم بمنظور واقعي يراعي اختلاف البيئات الاجتماعية والثقافية داخل المجتمع المصري، مع الحفاظ الكامل على حماية القاصرين ومنع أي استغلال أو ضرر قد يقع عليهم.
فالمجتمعات ليست نسخة واحدة، وما يصلح في مدينة كبرى قد يختلف عن طبيعة بعض المناطق الريفية، ولذلك فإن أي تنظيم قانوني يجب أن يجمع بين حماية المجتمع والمرونة المدروسة.
إن مصر اليوم بحاجة إلى قانون أسرة عادل ومتوازن، يُعيد بناء الثقة داخل البيت المصري، ويُرسخ مفاهيم المودة والرحمة والاحترام المتبادل، لا أن يُحول العلاقة بين الرجل والمرأة إلى صراع دائم أو معركة لتصفية الحسابات.
كما أن المؤسسات الدينية والثقافية والإعلامية مطالبة بالمشاركة الجادة في توعية المجتمع بخطورة الانسياق وراء أفكار تهدم مفهوم الأسرة وتُضعف الروابط الاجتماعية تحت شعارات براقة ظاهرها الدفاع عن الحقوق وباطنها صناعة الاستقطاب والكراهية.
فالأسرة المصرية كانت وستظل حجر الأساس في قوة المجتمع وتماسكه، وأي قانون يُكتب بعيدًا عن هوية المجتمع وقيمه الدينية والأخلاقية لن يحقق الاستقرار المنشود.
وفي النهاية، فإن نجاح أي قانون لا يقاس فقط بعدد مواده أو صياغته القانونية، وإنما بقدرته على صناعة مجتمع أكثر استقرارًا وعدالة ورحمة، يحفظ حقوق الجميع دون إفراط أو تفريط، ويضمن للأجيال القادمة بيتًا مصريًا متماسكًا قادرًا على مواجهة التحديات.
كاتب المقال المستشار محمد سليم عضو المحكمة العربية وعضو اللجنة الدستورية والتشريعية بمجلس النواب السابق والمحامى بالدستورية والنقض

