د. محمود فوزي يكتب:التفاخر المصطنع وإلهاء المجتمع

عندما تهيمن المعاني الجوفاء المقترنة بالمظاهر المادية على حساب القيم المعنوية، يصير رأس المال الاجتماعي مختزلًا في أشكال وقوالب اقتصادية وثقافية رمزية، وغالبًا ما يُنظر إلى رأس المال الرمزي المرتبط بالمجموعات ذات المكانة الاجتماعية الأعلى على أنه متفوق وحصري، ما يؤثر بدوره في عملية صنع القرار لدى الأفراد، بما في ذلك استهلاك السلع الفاخرة.
وتظهر هذه العملية بشكل بارز بالقطاعات المكتظة بالإشارات والمظاهر الاجتماعية، مثل: الأزياء، والسيارات، والتكنولوجيا، والسلع الفاخرة؛ حيث يتأثر القرار الشرائي للمستهلك باعتبارات أخرى خلاف الخصائص العملية للمنتج؛ كمستوى تقييم المستهلك لنفسه مقارنةً بالآخرين، ومستوى إنفاقهم، ومدى قيمة وشهرة الماركات التي يفضلونها، ومن ثم تقوم عملية المقارنة والتقييم الاجتماعي بدور جوهري في تشكيل الصورة والقيمة الرمزية للمنتج وعلامته التجارية ذات الصلة بالمكانة والهوية الاجتماعية.
وبالنظر إلى الساحات الاجتماعية المستقلة نسبيًا - مثل التعليم والفن والسياسة - والتي تحكمها قواعدها وصراعاتها الخاصة؛ نرى
ومن الآثار السلبية للإدمان الإلكتروني؛ انغماس بعض المستهلكين من ذوي المستوى الاجتماعي والمادي المنخفض في سلوكيات ومظاهر تحاكي استهلاك الأفراد ذوي المكانة المادية الأعلى؛ لاسيما مع الانتشار السريع للعديد من التريندات، والقوالب الإعلامية المبتذلة عبر المنصات الرقمية، وبالطبع يهيمن على معظمها سمات الاستهلاك التفاخري، والثراء السريع، والرموز المادية الصارخة، بغض النظر عن جدوى المضمون.
وبالطبع يرى بعض المستهلكين في اقتناء المنتجات الفاخرة المقلدة؛ باعتبارها الوسيلة الأيسر والأسرع لإضفاء بعض المؤشرات الرمزية للمكانة الاجتماعية، والهيمنة الرمزية بتكلفة منخفضة؛ كقيم التفرد، والندرة؛ للدلالة على التفوق والتميز، ومن ثم تعظيم كلا القيمتين الرمزية والنفعية في آنٍ واحد؛ بدلًا من التقليد الأعمى في شراء السلع والمنتجات الفاخرة باهظة الثمن.
وتكمن هنا الإشكالية ذات الوجهين الاجتماعي والقيمي؛ والتي تكمن في كم ونمط القيود والمعايير التي تواجه بعض الفئات المهمشة ومنخفضة الدخول؛ كالاختلافات الجذرية في الهيكلة البنائية لمنظومة القيم والأعراف الاجتماعية، والعادات والتقاليد، ما يدفعهم نحو ممارسة عمليات التقليد السطحي؛ كتسوق السلع والماركات الفاخرة المقلدة بدلًا من الأصلية؛ رغبة في إشباع دوافعهم الذاتية، وتلاشي القوالب والمظاهر الرمزية المرتبطة بالطبقات النخبوية.
كما ينجم عن فروق المكانة الاجتماعية العديد من الحدود والقيود الرمزية، التي تظهر في المواقف، والسلوكيات، وطرق التعامل، وأساليب الحوار والتفاعل مع الآخرين، ومن ثم تظل الفوارق الثقافية والبيئية بارزة بين الفئتين؛ حيث لا تنبع التطلعات الرمزية للطبقات منخفضة الدخل من رغبتهم الجامحة في محاكاة وتقليد أقرانهم ذوي الوضع الاجتماعي والمادي الأعلى، بل أيضًا من الاعتبارات الاجتماعية المتأصلة في عاداتهم وتقاليدهم.
وعندما تتجرد من هيمنة إشارات التفاخر الأجوف، وتستجيب لتنشئتك الاجتماعية القويمة؛ ستدرك بحكمتك الفرق الجوهري بين الجوهر والمظهر، فترتقي بنفسك عن الانغماس في مستنقعات النفاق الرخيص، والترندات المصطنعة اللاهثة خلف الشهرة على حساب القيمة، كما ستنحي نفسك جانبًا عن الانخراط في حلقات تسويق الأكذيب وبيع الادعاءات؛ كي تترك لفطرتك السليمة وعقلك الموضوعي حرية ترتيب الأولويات، وتهيئ لذاتك أجندة فكرية صحية من القضايا والموضوعات؛ التي يتقدم فيها المهم علي السطحي… الحقيقي علي المصطنع…الموضوعي علي المتحيز.

