بوابة الدولة
بوابة الدولة الاخبارية

الكاتب الصحفى عزت سلامة يكتب : بين بر إسماعيل لأبية وعقوق هذا الزمن

 الكاتب الصحفى عزت سلامة
-

فى زمنٍ أصبحت فيه العلاقات مع الوالدين تُقاس بحجم الإنفاق ، وعدد الهدايا ، وثمن الشقق وموديل السيارات ، تقف قصة سيدنا اسماعيل مع أبيه سيدنا ابراهيم ، شاهدة على معنى مختلف تماما للعلاقة بين الآباء والأبناء ، علاقة تقوم على الإيمان والطاعة والمحبة والثقة ، لا على الحسابات المادية وحدها..فإسماعيل عليه السلام لم يجلس يوما ليحاسب أبيه ويسأله : ماذا قدمت لى ؟ كم أنفقت على تعليمى ؟ ماذا كتبت باسمى ؟ هل اشتريت لى بيتا أو ضمنت مستقبلى ؟ لكن حين أخبره أبوه بأن الله أمره بذبحه فانظر ماذا ترى ، لم يغضب اسماعيل ، ولم يتمرد ، ولم يدخل فى جدال طويل ، وإنما قال فى قمة الأدب واليقين : يا أبتِ افعل ما تؤمر ستجدنى إن شاء الله من الصابرين ، إنها كلمات قليلة فى عددها ، عظيمة فى معناها ، تكشف حجم الإيمان الذى تربى عليه هذا الابن ، وحجم القدوة التى رآها فى أبيه .. فالتربية الحقيقية ليست مجرد طعام وشراب ومال ، بل بناء روح وغرس يقين ، وتأسيس أخلاق وقيم تبقى فى الإنسان حتى آخر عمره.

لقد نجح إبراهيم عليه السلام فى أن يزرع فى قلب ابنه اسماعيل الإيمان بالله والثقة فيه ، لذلك كانت الطاعة نابعة من قلب محب مؤمن ، لا من علاقة قائمة على تبادل المصالح أو انتظار المقابل.. وهذا ما نفتقده اليوم فى كثير من البيوت ، حيث تحولت بعض العلاقات الأسرية إلى معادلات مادية باردة ، وكأن البر والطاعة يُشتريان بالأموال فقط..وفى المقابل لا يمكن إنكار أن آباء هذا الزمان يتحملون فوق طاقتهم من أجل أبنائهم . كثير منهم يستهلك صحته وعمره وراحته النفسية حتى يوفر حياة كريمة لأولاده ، ومن الطبيعى أن ينتظر منهم الاحترام والبر وحسن المعاملة. لكن المشكلة تبدأ حين تختزل العلاقة كلها فى المال والمصلحة ، فيصبح الأب مجرد ماكينة فلوس ، ويصبح الحب مشروطا بحجم ما يدفعه الوالدين . الإسلام حين أمر ببر الوالدين لم يربط ذلك بغناهما أو بحجم ما يقدمانه ماديا ، وإنما جعل للأب والأم مكانة عظيمة لأنهما سبب الوجود والتربية والتعب والمعاناة. ولذلك جاء الأمر الإلهى واضحا وصريحا .. "وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا "..ما أحوجنا اليوم إلى استعادة هذا المعنى العظيم داخل بيوتنا ، أن يرى الأبناء فى آبائهم القدوة والرحمة ، لا مجرد مصدر للمال ، وأن يدرك الآباء أيضا أن التربية ليست إنفاقا فقط ، بل قرب واحتواء وغرس للقيم. فقصة إبراهيم وإسماعيل ليست مجرد قصة دينية تُروى ، بل درس خالد لكل بيت ، ولكل أب ، ولكل ابن ، بأن أعظم ما يبنى العلاقات ليس المال وحده ، وإنما الإيمان والمحبة والصدق وحسن التربية.