علاء خليل يكتب ..مراكز الدعم النفسي.. خط الدفاع الأول لحماية الأسرة والشباب

لم يعد الحديث عن الدعم النفسي أو التوجيه الأسري رفاهية مجتمعية، بل أصبح ضرورة وطنية وإنسانية تفرضها طبيعة العصر وما يشهده العالم من تغيرات متسارعة وثورات تكنولوجية أثرت بشكل مباشر على تفكير الشباب وسلوكياتهم وعلاقاتهم الإنسانية. إننا أمام تحديات جديدة تحتاج إلى أدوات جديدة، وأفكار حديثة، وخطط عمل تتجاوز الشكل التقليدي للندوات والفعاليات التي لم تعد وحدها قادرة على الوصول الحقيقي إلى عقول الأجيال الجديدة.
إن المجتمع اليوم لا يحتاج فقط إلى “رجال إطفاء” يتدخلون بعد وقوع المشكلات والأزمات الأسرية والنفسية، بل يحتاج إلى منظومة وقائية متكاملة تتدخل قبل الانهيار، وقبل الطلاق، وقبل الإدمان، وقبل أن تتحول الضغوط النفسية إلى كوارث اجتماعية تهدد استقرار الأسرة والوطن.
ومن هنا تأتي أهمية إنشاء مراكز دعم نفسي وتوجيه أسري حقيقية، تشارك فيها الدولة والقطاع الأهلي والجامعات والوزارات المعنية، لتصبح تلك المراكز قريبة من المواطن في كل محافظة ومدينة وقرية، لا مجرد شعارات أو مقرات صامتة. نحن بحاجة إلى شراكة حقيقية بين وزارة التضامن الاجتماعي ووزارة الشباب والرياضة ووزارة التربية والتعليم ووزارة التعليم العالي، إلى جانب مؤسسات المجتمع المدني والجمعيات الأهلية، من أجل بناء شبكة أمان نفسي واجتماعي للشباب والأسر.
كما أن المدارس والجامعات تحتاج اليوم إلى إعادة تأهيل حقيقية لدور الأخصائي الاجتماعي والنفسي، مع ضرورة تعيين كوادر جديدة من شباب الباحثين وحملة الماجستير والدكتوراه في علم النفس والاجتماع، القادرين على فهم لغة العصر والتعامل مع تحدياته الحديثة. فالشباب لن يستمع إلى خطاب قديم لا يشبه واقعه، ولن يثق إلا بمن يفهم مشكلاته دون أحكام مسبقة أو تخويف.
ولا يمكن أن نتحدث عن حماية المجتمع دون تفعيل مكاتب التوجيه الأسري بصورة احترافية، تساعد المقبلين على الزواج والأسر الشابة على فهم المسؤوليات وإدارة الخلافات قبل أن تتحول إلى طلاق أو تفكك أسري. فالحفاظ على الأسرة يبدأ بالوعي والتأهيل والدعم المبكر، لا بانتظار لحظة الانهيار.
كذلك يجب أن يكون للشئون الاجتماعية حضور أقوى من خلال وحداتها المنتشرة في أنحاء الجمهورية، بالتعاون مع مراكز الشباب والجمعيات الأهلية، لتقديم خدمات الدعم النفسي والاجتماعي والتوعية المجتمعية بصورة مستمرة، خاصة في المناطق الأكثر احتياجًا.
أما ملف علاج الإدمان، فقد حان الوقت لنشر مراكز العلاج والتأهيل النفسي في مختلف المحافظات، مع دعم المجتمع المدني لها، والعمل على تغيير الصورة الذهنية الخاطئة تجاه الطب النفسي. فليس عيبًا ولا جريمة أن يذهب الإنسان إلى الطبيب النفسي أو يطلب المساعدة، بل إن الخطأ الحقيقي هو ترك النفس تنهار بصمت حتى تصل إلى مراحل خطيرة. يجب أن نُهيئ الرأي العام لفهم أن الدعم النفسي جزء طبيعي من حياة الإنسان، مثل أي علاج طبي آخر.
إن شبابنا اليوم يحتاج إلى من يسمعه، ويحتويه، ويفتح له بابًا آمنًا للكلام والتعبير عما بداخله دون خوف أو فضيحة أو أحكام قاسية. يحتاج إلى مساحة آمنة لتفريغ الضغوط والطاقة السلبية، وإلى من يرشده وسط هذا الزحام الرقمي والفكري الهائل.
فلنبدأ اليوم بوضع آليات حقيقية لحماية شبابنا وأسرنا من مخاطر قادمة قد لا ندرك حجمها الآن، في عالم تتغير فيه القيم والأفكار بسرعة غير مسبوقة. علينا أن نحصّن أبناءنا نفسيًا وفكريًا، وأن نمنحهم الدعم والثقة والاحتواء، حتى يبنوا أنفسهم، ويبنون وطنهم، ويظلوا كما عهدناهم دائمًا خير سفراء لمصر في كل مكان.

