بوابة الدولة
بوابة الدولة الاخبارية

المستشار عمرو محمد أحمد يكتب: مبادرة «صُنع في مصر».. من الخام إلى المنتج النهائي

المستشار عمرو محمد أحمد
-

تأسيساً على رؤية مصر الاستراتيجية لبناء اقتصاد وطني قوي ومستدام، وفي ظل التحولات الاقتصادية العالمية التي تؤكد أن السيادة الحقيقية لا تتحقق إلا بامتلاك القدرة الإنتاجية، تأتي مبادرة «صُنع في مصر بالكامل من المادة الخام إلى المنتج النهائي» كركيزة أساسية لإعادة صياغة الخريطة الصناعية المصرية. فالمبادرة لا تستهدف مجرد تعميق التصنيع المحلي، وإنما تسعى إلى إحداث تحول جذري في فلسفة الإنتاج عبر تعظيم الاستفادة من الثروات الطبيعية والموارد التعدينية والزراعية التي تزخر بها مصر، وتحويلها محلياً من خلال سلاسل قيمة متكاملة إلى منتجات نهائية ذات قيمة مضافة مرتفعة.

وتمثل المبادرة التزاماً وطنياً بالانتقال من اقتصاد يعتمد على تصدير الخامات واستيراد المنتجات إلى اقتصاد يقوم على التصنيع الكامل والتصدير، بما يضمن تحقيق الاكتفاء الذاتي، وخفض عجز الميزان التجاري، وتعزيز قدرة الاقتصاد المصري على المنافسة في الأسواق العالمية.

وتقوم فلسفة المبادرة على وقف نزيف تصدير المواد الخام المصرية في صورتها الأولية، مثل الفوسفات والرمال البيضاء والرخام والعديد من المنتجات الزراعية، وإعادة توجيه هذه الخامات إلى خطوط إنتاج محلية لتحويلها إلى منتجات وسيطة ونهائية ذات قيمة مضافة مرتفعة، وهو ما يساهم في خفض فاتورة استيراد السلع الوسيطة التي تستنزف جانباً كبيراً من العملة الأجنبية، كما يرفع القيمة التصديرية للمنتج المصري بمعدلات تتراوح بين عشرة أضعاف وأكثر من مائة ضعف مقارنة بتصدير الخام دون تصنيع.

وتعتمد آليات التنفيذ على إنشاء قاعدة بيانات رقمية موحدة تحت إشراف وزارة التجارة والصناعة ومجلس الوزراء لحصر المصانع المصرية ومدخلاتها المستوردة، إلى جانب حصر الثروات الطبيعية والمناجم وربط المورد المحلي بالمصنع مباشرة. كما تتضمن المبادرة وضع آلية تدريجية لمنع تصدير بعض الخامات الاستراتيجية في صورتها الخام، مع منح حوافز استثمارية وإعفاءات ضريبية وجمركية للمستثمرين الذين يقيمون مصانع لتحويل هذه الخامات داخل مصر.

وتشمل الرؤية أيضاً إشراك القطاع الخاص من خلال طرح خطوط إنتاج متعثرة أو أراضٍ صناعية بنظام حق الانتفاع لفترات محددة، بشرط توجيهها لإنتاج سلع بديلة للمستورد يتم استهلاكها بكثافة داخل السوق المصرية، فضلاً عن توجيه جزء من التمويلات التنموية الدولية إلى دعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة العاملة في مجالات إعادة التدوير الصناعي وتصنيع قطع الغيار والسلع الوسيطة بفوائد ميسرة.

وتُعد الرمال البيضاء نموذجاً مثالياً لتطبيق المبادرة، نظراً لما تمتلكه مصر من احتياطيات ضخمة وعالية النقاء منها، ولأن تحويلها إلى صناعات الزجاج المتخصص والسيليكون يمثل قفزة اقتصادية وصناعية تتوافق مع مستهدفات رؤية مصر 2030.

وتقترح المبادرة تنفيذ خطة متكاملة تبدأ بتأسيس شركة مصر للصناعات التحويلية التعدينية كشركة مساهمة تضم الصندوق السيادي وهيئة الثروة المعدنية وشريكاً تكنولوجياً عالمياً، تتولى إدارة الشراكات الصناعية والاستثمارية، إلى جانب إعداد خريطة رقمية شاملة للمعادن الاستراتيجية ومواقعها واحتياطياتها.

كما تتضمن المرحلة التالية إصلاحات تشريعية وهيكلية تشمل إعادة صياغة نظام منح امتيازات المناجم بما يربط الحوافز بنسبة التصنيع المحلي، وفرض رسوم تصاعدية على تصدير الخامات التعدينية غير المصنعة وصولاً إلى الحد من تصديرها تدريجياً، بما يشجع على إقامة الصناعات التحويلية داخل البلاد.

أما المرحلة الثالثة فتركز على إنشاء مجمعات صناعية وتعدينية متخصصة بالقرب من الموانئ والمحاور اللوجستية الكبرى، بما يحقق التكامل بين استخراج الخام وتصنيعه وتصديره، ويخفض تكاليف النقل والإنتاج.

وتؤكد الدراسة المصغرة للمبادرة حجم الفارق الهائل بين تصدير الخام وتصنيعه محلياً. ففي حالة الرمال البيضاء، التي يُصدر طنها الخام حالياً بقيمة تتراوح بين 20 و30 دولاراً، يمكن أن ترتفع قيمته بعد عمليات المعالجة الأولية إلى ما بين 60 و100 دولار، ثم تقفز إلى ما بين 500 و800 دولار عند تصنيع الزجاج عالي النقاء، بينما قد تتجاوز قيمته خمسة آلاف دولار عند إنتاج السيليكون والبولي سيليكون المستخدمين في الصناعات التكنولوجية المتقدمة.

وينطبق الأمر ذاته على خام الفوسفات، حيث يؤدي تحويله محلياً إلى حمض الفوسفوريك والأسمدة المركبة إلى رفع العائد من متوسط يقارب 70 دولاراً للطن الخام إلى ما بين 500 و700 دولار للمنتجات النهائية أو الوسيطة المطلوبة عالمياً.

وتشير التقديرات إلى أن التطبيق الناجح للمبادرة يمكن أن يسهم في زيادة الموارد الدولارية للاقتصاد المصري بما يتراوح بين 8 و12 مليار دولار سنوياً، وتقليص عجز الميزان التجاري بنسبة تتراوح بين 8 و12 في المائة، إلى جانب توفير ما لا يقل عن 80 ألف فرصة عمل للمهندسين والكيميائيين والفنيين المتخصصين في مختلف الأقاليم التنموية الجديدة.

ومن ثم فإن التوصية الاستراتيجية الأهم تتمثل في البدء الفوري بتنفيذ المبادرة عبر شراكة ثلاثية تجمع الهيئة العامة للثروة المعدنية بصفتها مالكة للموارد والخامات، وصندوق مصر السيادي كشريك مالي وضامن للاستثمار، ومستثمراً تكنولوجياً عالمياً يوفر التكنولوجيا الحديثة وخطوط الإنتاج المتطورة، بما يضمن سرعة التنفيذ والانطلاق نحو الأسواق العالمية دون تحميل الموازنة العامة أعباء مالية إضافية.

إن مبادرة «صُنع في مصر» ليست مجرد مشروع صناعي، بل رؤية اقتصادية متكاملة تهدف إلى تحويل الثروة الطبيعية المصرية إلى ثروة إنتاجية وصناعية مستدامة، وتعزيز مكانة مصر كمركز إقليمي للتصنيع والتصدير، وبناء اقتصاد قوي قادر على تحقيق التنمية الشاملة للأجيال القادمة.

حفظ الله مصر وقيادتها وشعبها العظيم.