المستشار محمد سليم يكتب: برشامة.. عندما تتحول الكوميديا إلى تطبيع للخطأ والعبث بالقيم

نحن في البداية لا يمكن أن نفرض الوصاية على الفن أو نضع قيودًا على حرية الإبداع، فالفن رسالة سامية ومرآة حقيقية للمجتمع، ومن حق المبدع أن يناقش القضايا الشائكة وأن يقترب من المناطق الحساسة بجرأة ووعي، لكننا نرفض بكل شدة أن تتحول حرية الإبداع إلى ستار لتبرير الأخطاء أو التهوين من خطورتها أو العبث بالثوابت الدينية والأخلاقية التي تشكل وجدان المجتمع وهويته الحضارية.
ومن هذا المنطلق جاءت مشاهدتي لفيلم "برشامة" الذي أثار خلال الأيام الماضية حالة واسعة من الجدل والانقسام بين مؤيد ومعارض، ليس بسبب مستواه الفني أو حجم الإيرادات التي حققها، وإنما بسبب الرسائل التي حملها العمل والطريقة التي عالج بها بعض القضايا المرتبطة بالدين والأخلاق والسلوك المجتمعي، ولعل ما يؤكد أن الأمر لا يتعلق برأي شخصي أو انطباع فردي أن الفيلم واجه منذ الأيام الأولى لعرضه موجة واسعة من الانتقادات والاعتراضات من قطاعات مختلفة داخل المجتمع، حيث رأى كثير من المتابعين أن بعض المشاهد والحوارات تجاوزت حدود الكوميديا المقبولة إلى منطقة تمس الثوابت الدينية والمعتقدات الراسخة في وجدان المصريين، فيما ذهب آخرون إلى اتهام الفيلم بالاستهانة ببعض المفاهيم المرتبطة بالحلال والحرام والثواب والعقاب وتوظيفها في سياقات ساخرة لا تتناسب مع قدسيتها ومكانتها.
كما امتدت الانتقادات إلى اتهامات للفيلم بتقديم بعض السلوكيات الخاطئة، وعلى رأسها الغش وتعاطي المواد المخدرة، في إطار كوميدي قد يخفف من خطورتها في أذهان الشباب ويجعلها تبدو وكأنها مجرد تصرفات عابرة لا تستحق القلق أو التحذير، كما شهدت الساحة الإعلامية والقانونية حالة من الجدل الواسع وصلت إلى تقديم بلاغات ومطالبات بمراجعة محتوى العمل، في حين اعتبر بعض رجال الدين والدعاة أن الدين والعقيدة لا يجوز أن يكونا مادة للضحك أو السخرية مهما كانت المبررات الفنية.
والحقيقة أن المشكلة ليست في تناول الخطأ أو كشف الظواهر السلبية، فالفن الجاد عبر تاريخه ناقش الجريمة والانحراف والمخدرات والفساد، لكنه كان يفعل ذلك بهدف التحذير وكشف العواقب، أما حين تتحول المعصية إلى مادة للضحك، ويتحول الخطأ إلى سلوك عادي، وتصبح التوبة مجرد كلمة عابرة تمحو كل شيء في لحظة، فإن الرسالة هنا تصبح شديدة الخطورة، خاصة عندما يتلقى الشباب هذه المشاهد باعتبارها نموذجًا مقبولًا أو مألوفًا.
وبعد مشاهدة الفيلم وجدت أنه يقدم في بعض مشاهده صورة مبسطة ومختزلة لفكرة التوبة، وكأن ارتكاب المعاصي والأخطاء أمر يمكن تجاوزه بسهولة من خلال كلمات عابرة أو توبة سريعة، في حين أن التوبة في المفهوم الديني ليست إجراءً شكليًا، بل هي مراجعة حقيقية للنفس وندم صادق وإقلاع عن الخطأ وعزم على عدم العودة إليه، وعندما يتم تقديم هذه القيمة العظيمة بصورة سطحية فإن الرسالة تصبح مشوشة وخطيرة في الوقت نفسه.
كما تضمن الفيلم عبارات ومواقف تناولت موضوعات ترتبط بالجنة والنار والثواب والعقاب في إطار ساخر أثار استياء كثيرين، وقد يرى البعض أن الكوميديا تسمح بالمبالغة والمفارقة، لكن هناك موضوعات ترتبط بعقيدة الناس ومشاعرهم الدينية وتحتاج إلى قدر أكبر من المسؤولية والحساسية عند تناولها، فليست كل القضايا صالحة لأن تتحول إلى مادة للضحك أو السخرية.
ولم يتوقف الأمر عند ذلك، بل إن بعض المشاهد والحوارات التي تضمنت توظيف أسماء ومفاهيم دينية داخل سياقات ساخرة أثارت تساؤلات مشروعة حول حدود التناول الفني للقضايا الدينية، خاصة عندما يتعلق الأمر بثوابت تحظى باحترام وتقدير واسع لدى المجتمع، فحرية الإبداع لا ينبغي أن تتحول إلى مبرر للمساس بالمقدسات أو التقليل من شأنها.
وحتى على المستوى الفني البحت، رأى بعض النقاد أن الفيلم اعتمد بصورة كبيرة على الإفيهات السريعة والعبارات الصادمة بهدف تحقيق الضحك اللحظي على حساب البناء الدرامي المتماسك والرسالة الهادفة التي ينبغي أن يحملها العمل الفني، وهو ما جعل الجدل حوله يتجاوز حدود النقد الفني التقليدي إلى نقاش أوسع يتعلق بدور الفن ذاته في المجتمع.
إن الدفاع عن حرية الإبداع لا يعني إعفاء الفنان من مسؤوليته تجاه المجتمع، كما أن احترام الثوابت لا يعني مصادرة الفن أو تقييد المبدعين، فالقضية ببساطة هي البحث عن التوازن بين الحرية والمسؤولية، وبين الجرأة والاحترام، وبين حق الفنان في التعبير وحق المجتمع في الحفاظ على قيمه وهويته.
ومع الانتشار الهائل للمنصات الرقمية ومواقع التواصل الاجتماعي لم تعد الأعمال الفنية حبيسة قاعات السينما كما كان الحال في الماضي، بل أصبحت المشاهد والعبارات تنتشر خلال ساعات قليلة وتصل إلى ملايين المتابعين، وهو ما يضاعف من حجم التأثير ويزيد من حجم المسؤولية، ولذلك فإن أي رسالة تحملها الأعمال الفنية أصبحت قادرة على الوصول إلى أعداد هائلة من الشباب في وقت قصير للغاية.
وفي النهاية يبقى السؤال الأهم، ماذا يحمل المشاهد معه بعد انتهاء الفيلم؟ هل يغادر أكثر وعيًا بخطورة السلوكيات السلبية أم أكثر تسامحًا معها؟ وهل يسهم العمل الفني في ترسيخ القيم الإيجابية أم يشارك، بقصد أو بغير قصد، في إضعافها؟ هنا فقط تبدأ الإجابة الحقيقية عن دور الفن ورسالة الإبداع وحدود المسؤولية، وهنا أيضًا تتحدد قيمة العمل الفني الحقيقية بعيدًا عن الإيرادات وحملات الدعاية والضجيج الإعلامي.
كاتب المقال المستشار محمد سليم عضو المحكمة العربية وعضو اللجنة الدستورية والتشريعية بمجلس النواب السابق والمحامى بالدستورية والنقض

