الاعلامي علاء خليل يكتب : صناعة الوهم.. الإمبراطورية التي هزمت الكذب

منذ أن عرف الإنسان الكذب وهو يحاول اكتشافه ومقاومته، لكن الأمور اليوم أصبحت أكثر تعقيدًا، فلم يعد الاعتماد على الكذب المباشر هو الوسيلة الأكثر انتشارًا، بل انتقل العالم إلى مرحلة أكثر تطورًا وخطورة، هي مرحلة صناعة الوهم.
فالكاذب يقول شيئًا غير صحيح، أما صانع الوهم فيقول أشياء كثيرة صحيحة، ثم ينسج حولها رواية أكبر من الحقيقة ذاتها، وهنا يكمن الفرق الجوهري، فالكذب يمكن أن يسقط بوثيقة أو شهادة أو دليل، أما الوهم فقد يستمر سنوات طويلة حتى بعد ظهور الأدلة التي تناقضه، فالكذب يخدع العقل، بينما الوهم يستعمر الوعي.
في الماضي كنا نرى المحتال يدّعي امتلاك ما ليس لديه، وكان السياسي يطلق وعودًا يعلم أنها لن تتحقق، وكانت الشركات تبالغ في وصف منتجاتها، لكن مع تطور الإعلام والتسويق وعلم النفس الجماهيري لم تعد الحاجة كبيرة إلى الكذب الصريح، فأصبح يكفي اختيار جزء من الحقيقة وتضخيمه وتكراره وتغليفه بقصة جذابة حتى يتحول إلى واقع ذهني يعيش فيه الملايين، وهكذا انتقلت البشرية من عصر تزوير الحقائق إلى عصر هندسة التصورات.
ويتحدث علماء الاجتماع عن أن الوهم لا يولد من الفراغ، بل من مهارة استثنائية في إدارة الانطباعات، إذ يبدأ الأمر بإنجاز صغير أو حقيقة جزئية، ثم تُضاف إليها طبقات من الترويج والإيحاء والتكرار، حتى تصبح الصورة النهائية مختلفة تمامًا عن الأصل.
قد يكون رجل أعمال ناجحًا بالفعل، لكن ماكينة الدعاية تقدمه باعتباره عبقريًا خارقًا لا يخطئ، وقد تكون دولة تمتلك مشروعًا اقتصاديًا واعدًا، فتتحول في الخطاب الإعلامي إلى نموذج مثالي يخلو من المشكلات، وقد تكون مؤسسة تحقق بعض النجاحات المحدودة، فتُرسم حولها صورة تجعلها تبدو وكأنها لا تعرف الفشل.
في كل هذه الحالات لا يوجد كذب كامل، لكن توجد عملية منظمة لتوجيه الانتباه نحو جزء من الصورة وإخفاء بقية الأجزاء.
ومن هنا نشأت منذ عقود شركات العلاقات العامة، أو ما يمكن تسميتهم بمهندسي الواقع البديل، وأصبحت هذه الشركات من أكثر الصناعات تأثيرًا في العالم، فلم تعد وظيفتها مجرد تحسين الصورة، بل صناعة سردية كاملة حول الأشخاص والمؤسسات والدول.
فهذه الشركات تدرس الرأي العام، وتفهم نقاط القوة والضعف، ثم تبني قصة متماسكة تجعل الجمهور يرى ما تريد له أن يراه، وبعض الحكومات تستعين بها لتلميع صورتها دوليًا، وبعض الشركات الكبرى تستخدمها لإدارة الأزمات أو تحسين السمعة، وبعض الشخصيات العامة تعتمد عليها لصناعة صورة القائد الملهم أو المفكر الاستثنائي أو رجل الأعمال العبقري، وفي كثير من الأحيان تصبح الصورة المصنوعة أقوى من الواقع نفسه.
ويقدم التاريخ الاقتصادي نماذج مذهلة في هذا المجال، فقد شهد العالم شركات قُدرت قيمتها بمليارات الدولارات بناءً على وعود مستقبلية أكثر من إنجازات فعلية، وظل المستثمرون والإعلام والجمهور يؤمنون بالقصة حتى انهارت فجأة، واكتشف الجميع أن الهالة كانت أكبر من الحقيقة.
وفي السياسة نجد نماذج لقادة نجحوا في بناء صورة أسطورية حول أنفسهم، ولم يكن السر دائمًا في الإنجازات، بل في القدرة على التحكم في الرواية العامة وصناعة الرموز والشعارات وإدارة المشهد الإعلامي.
أما في عالم الجريمة والاحتيال، فإن أشهر المحتالين لم يكونوا أفضل الكاذبين، بل أفضل صناع الأوهام، فقد كانوا يعرفون أن الناس لا يصدقون الكلمات فقط، بل يصدقون الملابس الفاخرة، والمكاتب الأنيقة، والصور مع المشاهير، والثقة المفرطة في الحديث أو الحضور، فكلما كانت الهالة أكبر، قلّ ميل الناس إلى التشكيك.
وإذا كانت الصحف والتلفزيون قد ساعدا على صناعة الوهم في الماضي، فإن وسائل التواصل الاجتماعي نقلت الظاهرة إلى مستوى غير مسبوق، فاليوم يستطيع أي شخص أن يصنع لنفسه صورة لا علاقة لها بحياته الحقيقية، يمكنه أن يبدو ثريًا وهو غارق في الديون، وأن يظهر خبيرًا وهو يفتقر إلى المعرفة، وأن يبدو سعيدًا بينما يعيش أزمة حقيقية، وأن يدلل على قوة خفية وهو في الحقيقة بعيد كل البعد عنها.
لقد أصبح العالم مليئًا بنسخ محسنة ومعدلة ومفلترة من الواقع، ومع الوقت يصدق البعض الصورة التي صنعها عن نفسه قبل أن يصدقها الآخرون، فيتحول الوهم إلى نمط حياة قائم على الثقة الخادعة.
في الماضي كنا نرى من يمتهن الكذب ويقدم للناس معلومات كاذبة ليصدقوها، أما اليوم فهناك من يُغرق الناس في الوهم عبر قصة يريدون هم أنفسهم تصديقها.
فالإنسان بطبيعته يميل إلى الروايات الملهمة والمريحة والبسيطة، لذلك يجد الوهم طريقه إلى العقول بسهولة أكبر من الحقائق المعقدة، فالحقيقة غالبًا مليئة بالتفاصيل والتناقضات والأسئلة، أما الوهم فيقدم إجابات جاهزة وأبطالًا واضحين وصورًا براقة، ولهذا فهو أكثر جاذبية، وأكثر قدرة على الانتشار، وأكثر صعوبة في التفكيك.
وأخطر أنواع الوهم ليس ذلك الذي يصنعه الآخرون فقط، بل الوهم الذي يصنعه الإنسان لنفسه، فبعض المؤسسات تقع في حب الصورة التي بنتها عن ذاتها حتى تفقد القدرة على رؤية أخطائها، وبعض الأشخاص يصدقون الهالة التي أحاطهم بها المصفقون، وبعض الشعوب تفضل الأساطير المريحة على مواجهة الحقائق الصعبة.
وهنا يتحول الوهم من أداة للتأثير إلى سبب مباشر للانهيار، فالتاريخ يعلمنا أن الأكاذيب قد تُهزم، لكن الأوهام عندما تتضخم بما يكفي تكون قادرة على إسقاط إمبراطوريات كاملة.
ومع نضوج المجتمعات تبدأ الحقائق في الظهور، وتتساقط الأقنعة تدريجيًا، فيكتشف الناس أن الكذب كان عدوًا واضحًا يمكن مواجهته بالدليل، بينما ظل الوهم خصمًا متخفيًا يرتدي قناع الحقيقة، فالكذب يقول لك: «صدقني»، أما الوهم فيجعلك تقول لنفسك: «أنا أرى ذلك بعيني».
ولهذا فإن أخطر ما في عصرنا ليس انتشار الأكاذيب، بل ازدهار صناعة الأوهام، ففي زمن أصبحت فيه الصورة أهم من الجوهر، والانطباع أقوى من الواقع، والتسويق أكثر تأثيرًا من الحقيقة، بات السؤال الأهم ليس: هل ما يُقال صحيح أم كاذب؟ بل هل ما نراه هو الحقيقة كاملة أم مجرد جزء منها جرى تضخيمه حتى حجب بقية المشهد؟
وفي النهاية، ربما لم يعد أخطر ما نواجهه اليوم هو الكذب الصريح، بل تلك الصور اللامعة التي تبدو حقيقية إلى درجة تجعلنا نتوقف عن السؤال، وحان الوقت لأن نتأكد من كل ما يتم تداوله، فليس كل ما يلمع ذهبًا، وليس كل ما يتكرر حقيقة، وليس كل من صنع هالة حول نفسه يملك ما توحي به تلك الهالة.
لذلك أصبح من الضروري أن نتعلم النظر خلف الصورة، وأن نمنح أنفسنا وقتًا للتفكير قبل التصديق، وأن ندرك أن الحقيقة غالبًا أكثر هدوءًا وأقل ضجيجًا من الوهم، فالعالم اليوم مليء بمن يصنعون الانطباعات، لكن القليل فقط هم من يصنعون الحقائق.
ولهذا يبقى السؤال الذي يجب أن نطرحه على أنفسنا دائمًا،هل نحن نرى الواقع كما هو، أم كما أراد أحدهم أن نراه؟
دمتم بخير دومًا.

