بوابة الدولة
بوابة الدولة الاخبارية

ثار لكرامة الفن وشتم الملك وبكى بسبب الشيخ رفعت.. مواقف من حياة الريحانى

نجيب الريحانى
أحمد صالح -

تحل اليوم الذكرى السابعة والسبعون لرحيل عبقرى الفن الضاحك الباكى نجيب الريحانىالذي رحل عن عالمنا في مثل هذا اليوم الموافق 8 يونيو 1949، بعد رحلة عطاء فنى وإنسانى كان فيها صاحب مدرسة فنية عريقة تخرج منها كبار عمالقة الفن وخلدت اسمه في سجل كبار المبدعين.

ولد الريحانىفي حي باب الشعرية لأب عراقي وأم مصرية، ونشأ عاشقاً للمسرح، كانت ملامحه البسيطة تشبه شوارع مصر وحواريها، وكان صاحب كبرياء شديد، لا يقبل الإهانة، وعرف بجرأته وصراحته أمام رجال السياسة.

وهو ما كشفته الفنانة الكبيرة مارى منيب فى الحلقة الأخيرة من مذكراتها التى نشرتها مجلة الكواكب بتاريخ 26 يناير 1960، حيث تحدثت بكل حب وعرفان واحترام عن أستاذها نجيب الريحانى، التى عملت بفرقته فترة طويلة من حياتها منذ بداياتها الفنية فقالت: "لو قدر لجدران حجرته أن تتحدث لروت الكثير من أسرار الساسة وخفايا السياسة والتيارات الخفية التى كانت تحكم بلادنا وتسير نظام الحكم فيها والفضائح المروعة التى كانت تجرى من وراء الستار فى قصور العظماء، أولئك الذين كانوا ينظرون إلى الناس من أطراف أنوفهم".

وأشارت إلى مواقفه الصارمة في وجه الفساد، وروت موقفاً تاريخياً ثار فيه الريحاني لكرامة الفنان المصري في قلب السراي الملكية.
ففي إحدى الليالي، دُعيت الفرقة لتقديم عرض في القصر بالتزامن مع وجود فرقة أجنبية، وعند العشاء لاحظ الريحاني أن مائدة الأجانب حافلة بأشهى الأطعمة بينما وُضعت أصناف أقل للفنانين المصريين، وهنا انتفض الريحاني ورفض تناول الطعام قائلاً أمام رجال القصر والخدم: «محدش يمد إيده على الأكل، إحنا جايين على اعتبار إننا أصحاب البلد، لكن للأسف شوفنا العكس ودى إهانة نحتج عليها ولا نسمح بها أبداً، والفنان يجب أن يكون حريصاً على كرامته قبل كل شيء".
وتكمل مارى منيب: «انسحبنا جميعاً دون أن نعبأ بتوسلات رجال القصر الذين سمعوا «خطبة الريحانى»، وانصرفنا نتعشى عشاء فاخراً على حساب أستاذنا الريحانى، وفى اليوم التالى جاء بعض رجال السراى وهم فى أشد حالات الانزعاج، إذ أن خبر انسحابنا قد لوحظ من الجميع، وأخذوا يعتذرون للريحانى قائلين إن هذا التصرف خطأ غير مقصود من بعض صغار رجال السرايا ، ولكن الريحانى لم يقبل الاعتذار، بل قال لهم غاضباً: "إن كانت عزومة الملك بالشكل ده يبقى طز فى الملوك كلهم"، ثم التفت اليهم قائلا: "بلغوا مولانا الكلام ده إن كنتم شاطرين وأنا مستعد أقوله فى وشه".
ورغم قوة الريحانى أمام رجال السياسة والقصر، وحتى الملوك ، إلا أنه كان صاحب قلب رقيق مرهف، وتجلى ذلك فى علاقته الفريدة بـصوت السماء الشيخ محمد رفعت.

فوفقاً لشهادة الحاجة هناء حسين حفيدة الشيخ رفعت، ربطت الريحاني بالشيخ صداقة قوية قائمة على الإخلاص والمحبة، وكان الريحاني يبكي تأثراً عندما يستمع إلى القرآن الكريم بصوته، بل وكان يرفض فتح ستارة مسرحه طالما أن الشيخ رفعت يقرأ في الإذاعة.

وفي فترة مرض الشيخ رفعت، كان الريحاني يصطحبه بانتظام في "الحنطور" الخاص به ليخفف عنه آلامه، وكتب عنه مقالاً يفيض بالمحبة والتقدير، بعنوان «نزهة الحنطور مع الشيخ رفعت»، مؤكداً أن صوته هو الخلود بعينه، ومشيراً إلى فضل القرآن عليه وما تعلمه منه، بعد قراءته مترجما بالفرنسية وسماعه بصوت الشيخ رفعت قائلا: ما كاد هذا الصوت ينساب إلى صدرى حتى هز كيانى وجعلنى أقدس هذه الحنجرة الغالية الخالدة، وهى ترتل أجمل المعانى وأرقها وأحلاها، صممت على لقاء الشيخ رفعت، فالتقيته أكثر من مرة وتصادقنا»
ووصف الريحانى الشيخ رفعت بالعالم الكبير، مؤكدا أن نبراته احتار فى فهمها العلماء، وأنه عندما سأل عبد الوهاب عن سر حلاوة هذا الصوت قال إنها منحة إلهية وعبقرية لن تتكرر».

رحل نجيب الريحاني عن عمر ناهز الستين عاماً إثر إصابته بمرض التيفويد، مخلداً اسمه كأحد أهم رواد الفن والمسرح، ومقدماً نموذجاً استثنائياً للفنان الملتزم بقضايا وطنه، الحريص على كرامة زملائه، صاحب القلب المرهف والإحساس الصادق