الكاتب الصحفى محمد طرابيه يكتب : المونوريل .. ومواكب الوزراء

انتشرت في الأيام الماضية صور لعدد من الوزراء داخل قطار المونوريل وهم في طريقهم إلى مقار وزاراتهم.
لاقت هذه الصور تفاعلا واسعا على مواقع التواصل وعلق الناس بإعجاب هذه هي القدوة هذا هو الترشيد.
والهدف الظاهر من نشر هذه الصور واضح وهو أن الحكومة تريد ارسال رسالة للشعب نحن مثلكم نستخدم المواصلات العامة ونحرص على التوفير ونبتعد عن مظاهر البذخ.
صورة مدروسة وتوقيتها مناسب وشكلها يليق بالمرحلة الاقتصادية التي تمر بها البلاد.
مشهد جميل يبعث على التفاؤل ويوحي بوجود نية حقيقية للإصلاح.
لكن إذا تأملنا الأمر بهدوء سنجد أن هذه الصورة لحظية ومؤقتة التقطت في دقائق ثم نشرت وانتهى الأمر.
والسؤال المهم هل تعبر هذه اللقطة عن الواقع اليومي. هل يستقل الوزير المونوريل كل صباح ومساء أم كانت هذه رحلة استثنائية من أجل التصوير ؟! .
الشعب اليوم أكثر وعيا من قبل ولم يعد ينخدع بالصور واللقطات الإعلامية. الناس تريد أفعالا مستمرة لا استثناءات عابرة وتريد سلوكا يوميا ثابتا لا مشهدا مصورا لمرة واحدة.
إن ترشيد الإنفاق الحقيقى لا يبدأ بركوب قطار المونوريل ليوم واحد بل يبدأ بقرارات جادة وحقيقية لا تظهر في الصور. يبدأ بالاستغناء عن مواكب الحراسة الضخمة التي تعطل حركة المرور وتغلق الشوارع.
موكب مكون من ثماني أو عشر سيارات لشخص واحد هو إهدار للمال العام وإهدار للوقت وإرهاق لأعصاب المواطنين.
كما يبدأ ترشيد الإنفاق من السيارات الفارهة والمصفحة المخصصة للوزراء وكبار المسؤولين.
سيارة تكلفتها ملايين الجنيهات وتتحرك طوال اليوم حتى لو كان صاحبها في راحة.
يكفي وجود فرد أمن أو اثنين للتأمين بشرط أن يكونوا مدربين وأكفاء.
وإذا أعلنت الحكومة هذا العدد بوضوح وشفافية فستكسب ثقة الناس أكثر من أي صورة.
ويبدأ الترشيد أيضا بتقليل أعداد الحراسات الشخصية حيث نجد أن بعض الوزراء لديهم أربعة أو خمسة أفراد أمن يرافقونهم حتى داخل مكاتبهم.
والوقود الذي يستهلك في هذه التنقلات اليومية يكلف الدولة مبالغ ضخمة ولو جمعنا هذه المبالغ لوجدناها مليارات تضيع كل عام بلا داع.
يكفي أن يبقى فردان فقط للتأمين ويصدر بيان رسمي يحدد العدد الأقصى للحراسة لكل وزير.
الشفافية في هذا الأمر ستبني جسر ثقة بين الحكومة والشعب أقوى من مئات الصور لقطار المونوريل.
والحقيقة التي لا يمكن إنكارها أن مواكب الوزراء في مصر لا تزال مثالا واضحا على إهدار المال العام والبذخ في الإنفاق. نفس المواكب ونفس إغلاق الطرق ونفس الاستعراض الذي اعتدنا عليه منذ سنوات.
وهذا يتناقض تماما مع التوجيهات المتكررة للرئيس عبد الفتاح السيسي بضرورة التقشف وترشيد الاستهلاك في كل مؤسسات الدولة.
الرئيس أكد مرارا على المسؤولين أن يشعروا بالناس وأن يكونوا قدوة في التوفير والبساطة.
التوجيهات واضحة وصريحة لكن المشكلة تكمن في طريقة التنفيذ على أرض الواقع.
لذلك الرسالة الأخيرة بسيطة ومباشرة : كفى تمثيلا على الشعب.
لقد تعب المواطن من كثرة الصور والشعارات. المواطن الذى يدفع فاتورة الكهرباء والغاز والمواصلات من دخله المحدود يريد أن يرى المسؤول يحس به ويعيش ظروفه ويوفر مثله.
الشعب يريد أفعالا لا صورا ويريد قرارا يتخذ ثم ينفذ ثم يتابع. يريد موكبا يتقلص وسيارة فارهة تباع وميزانية وقود تتراجع. عندها فقط سنصفق ونقول إن رحلة المونوريل هذه كانت بداية الطريق الصحيح.
أما إذا بقي الوضع على ما هو عليه فستظل الصورة مجرد صورة ويبقى الواقع كما هو دون تغيير.

