الدكتورصبرى موسى يكتب : فجوة المهارات.. لماذا لايجد الخريج وظيفةرغم وجود فرص عمل

في كل عام، يتخرّج الآلاف من الجامعات حاملين شهاداتهم بأيديهم، وفي قلوبهم أحلامٌ بمستقبل مهني يستحقونه. لكنهم ما إن يطرقون أبواب سوق العمل، حتى يصطدموا بحقيقة مُرّة: الوظائف موجودة، والأعداد تكفي، لكنّ الأبواب لا تُفتح. ليس لأن الكفاءة غائبة، بل لأن المهارة المطلوبة ليست موجودة في المكان الصحيح.
هذه هي فجوة المهارات؛ ظاهرة باتت أحد أكثر تحديات العصر تعقيدًا وأشدّها أثرًا على مسار التعليم والاقتصاد والمجتمع معًا.
أولًا: ما فجوة المهارات؟
فجوة المهارات ليست مصطلحًا أكاديميًا مجرّدًا، بل هي واقع تعيشه ملايين الأسر كل يوم. يُقصد بها الهوّة القائمة بين ما يمتلكه الخريج من مهارات، وما يطلبه أصحاب العمل فعليًا. الجامعة تُخرّج محاسبًا لا يُجيد برامج المحاسبة الرقمية، ومهندسًا لا يُتقن الأتمتة الصناعية، وإعلاميًا لا يُدرك خوارزميات المنصّات الرقمية. الشهادة موجودة، لكنّ المهارة المُتوقَّعة غائبة.
والمفارقة المؤلمة أن شركات كثيرة تعلن عن وظائف شاغرة لأشهر دون أن تجد من يملأها، بينما يصطفّ خريجون أمام مكاتب التوظيف ينتظرون دورهم. هنا يكمن جوهر الأزمة: ليست أزمة شُح في فرص العمل، بل أزمة تعطّل في التوافق بين ما يُعلَّم وما يُطلب.
ثانيًا: كيف غيّر الذكاء الاصطناعي والأتمتة قواعد اللعبة؟
لم يكن سوق العمل يومًا ثابتًا، لكنّه اليوم يتغيّر بسرعة لم يسبق لها مثيل. الذكاء الاصطناعي والأتمتة لم يعودا ضيفين على بعض الصناعات؛ بل باتا شريكًا أساسيًا في معظمها. المصانع تُشغّل خطوط إنتاجها بروبوتات، والبنوك تُعالج معاملاتها بخوارزميات، والمستشفيات تستعين بأنظمة ذكية في التشخيص والتتبّع.
وبينما تختفي وظائف روتينية أو تتقلّص، تنشأ وظائف أخرى تتطلّب تفكيرًا نقديًا، وإبداعًا حقيقيًا، وقدرةً على التعامل مع الآلة لا الإحلال محلّها. ثمة وظائف صارت في خبر كان، وأخرى وُلدت من رحم هذا التحوّل؛ مختصو بيانات، ومصمّمو تجارب رقمية، ومحلّلو أمن إلكتروني، ومطوّرو أنظمة ذكاء اصطناعي. والسؤال الجوهري: هل ما تُعلّمه جامعاتنا اليوم يُهيّئ الشباب لهذا العالم؟
ثالثًا: المهارات المطلوبة حتى 2030
لا تفتقر الصورة إلى التوثيق؛ فتقارير المنتدى الاقتصادي العالمي ومنظمة العمل الدولية ترسم ملامح سوق العمل القادم بوضوح. المهارات الأكثر طلبًا حتى عام 2030 لن تكون مجرّد معارف أكاديمية، بل مزيجًا من:
• مهارات تقنية: تحليل البيانات، والبرمجة، واستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي، والأمن السيبراني.
• مهارات إنسانية عليا: التفكير النقدي، وحل المشكلات المعقّدة، والتواصل الفعّال، والقيادة التكيّفية.
• مهارات التعلّم الذاتي المستمر: القدرة على اكتساب مهارات جديدة بسرعة، وإعادة تشكيل الكفاءات وفق ما يطرأ من متغيّرات.
الغريب أن بعض هذه المهارات ليست وليدة التكنولوجيا وحدها، بل هي مهارات إنسانية خالصة ظلّت مُهمَلة في مناهجنا طويلًا: القدرة على التفاوض، وإدارة الصراع، والتعاطف المهني، وبناء العلاقات.
رابعًا: المشكلة الحقيقية.. المناهج القديمة في عالم جديد
حين تُدرّس الجامعة مادة بمحتوى لم يُحدَّث منذ عقد، وتقيس الطالب بامتحان يختبر الحفظ لا الفهم، وتمنحه شهادة لا تعكس كفاءته الحقيقية، فقد وضعته في منتصف الطريق دون زاد يكفيه.
المناهج القديمة ليست مشكلة في المحتوى العلمي وحده؛ بل في المنهجية برمّتها. فكثير من المناهج السائدة في عالمنا العربي ما زالت تُعلي من شأن التلقين، وتُثبّط الجدل والنقد، وتقيس النجاح بالدرجة لا بالقدرة. وتجد الطالب ينهي أربع سنوات دراسية دون أن يشارك في مشروع حقيقي، أو يتعامل مع عميل أو موقف مهني فعلي.
الفجوة هنا ليست في الطالب أصلًا؛ بل في النظام الذي أنتجه.
خامسًا: المناهج المرتبطة بالسوق مقابل المناهج الجامدة
ثمّة فرق شاسع بين نوعين من المناهج، وإن تشابها في الظاهر:
المناهج المرتبطة بالسوق تُصمَّم بالتشاور المستمر مع أصحاب العمل، وتُراجَع دوريًا، وتتضمّن تدريبًا ميدانيًا حقيقيًا، وتُقيّم الطالب بمشاريع عملية لا بإجابات نموذجية. تُعلّم الطالب كيف يُفكّر، لا ماذا يُفكّر.
المناهج الجامدة تُصمَّم مرة واحدة وتُطبَّق لسنوات دون مراجعة، وتكاد تنفصل كليًا عن متطلبات الواقع. لا تتحدّث إلى صاحب عمل لتسأله: ماذا تحتاج؟ بل تنتظر أن يتكيّف العالم مع ما تُقرّره.
والنتيجة الحتمية لهذا الانفصال: خريجون قادرون على اجتياز الاختبارات، عاجزون عن اجتياز مقابلة التوظيف.
سادسًا: كيف تُنتج المناهج الضعيفة بطالة الخريجين؟
العلاقة بين ضعف المناهج وبطالة الخريجين ليست افتراضًا نظريًا، بل هي سلسلة سببية واضحة:
حين يدرس الطالب مناهج لا ترتبط بواقع السوق، يتخرّج بمعرفة عامة لا تُترجَم إلى أداء. حين يُجري مقابلات توظيف، يظهر العجز: لا يُجيد استخدام الأدوات التقنية الأساسية، ولا يعرف كيف يعمل ضمن فريق متعدد التخصصات، ولا يستطيع إدارة مشروع من بدايته إلى نهايته.
وهنا يلجأ صاحب العمل إلى خيارين: إما التوظيف والإنفاق على تأهيل لم تتكفّل به الجامعة، أو الإحجام عن التوظيف والبحث عمّن يُغني عن هذا التأهيل. وفي الحالتين، يدفع الخريج الثمن.
سابعًا: ماذا قالت المنظمات الدولية؟
لم تنتظر المنظمات الدولية طويلًا حتى تُجلّي هذا الواقع. البنك الدولي أشار في تقاريره المتتالية إلى أن منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تُعاني من واحدة من أعلى معدلات البطالة بين الشباب عالميًا، رغم ارتفاع نسب الالتحاق بالتعليم، وأرجع ذلك جزئيًا إلى الانفصام بين مخرجات التعليم ومتطلبات الاقتصاد.
أما منظمة العمل الدولية، فقد نبّهت إلى أن أكثر من نصف الوظائف الحالية ستُعاد هيكلتها بشكل جذري بحلول 2030 بسبب التحوّل الرقمي، مؤكّدةً أن التعليم الذي لا يرتكز على التعلّم المستمر وتطوير المهارات سيُنتج عمالة عاجزة عن التكيّف مع هذا التحوّل.
فى النهاية فإن رؤى هاتين المنظمتين هو: الاستثمار في الرأسمال البشري الفعلي، وإعادة تصميم التعليم ليُجيب عن سؤال واحد: ماذا يحتاج سوق العمل بعد خمس سنوات؟
الشهادة ليست الجواب
لم يكن الهدف من التعليم يومًا أن يُنتج شهادة تُعلَّق على جدار. كان الهدف دائمًا أن يُنتج إنسانًا قادرًا على الفعل والإضافة والتكيّف. وحين نُقيس نجاح منظومتنا التعليمية بعدد الخريجين لا بجودة كفاءاتهم، نكون قد أخطأنا السؤال قبل أن نُخطئ الجواب.
الأزمة لم تعد في ندرة الوظائف، ولا في قِصَر الخبرة، بل في توافق المهارة مع الواقع. وما لم تُراجع مؤسساتنا التعليمية مناهجها بجرأة وانفتاح على السوق والمستقبل، فإن فجوة المهارات ستتّسع عامًا بعد عام.
فى النهاية تتلخص الفكرة فى أن.
(المشكلة لم تعد في الشهادة… بل في قدرة صاحبها على مواكبة عالم يتغيّر كل يوم).

