المستشار محمد سليم يكتب : الغيطي ومخيون.. وقرار الاعلام

لقد تناولت في مقال سابق ما أُثير من تجاوزات بحق الفنان القدير عبد العزيز مخيون وأسرته ومحبيه، وها نحن اليوم أمام قرار مهم للمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام يعيد التأكيد على أن حرمة الحياة الخاصة ليست مجالًا للتناول الإعلامي غير المنضبط أو الإثارة أو تجاوز حدود المهنية، وإنما هي حق أصيل يحميه القانون والدستور، وقد طالبتُ في حينها بسرعة اتخاذ موقف حاسم ورادع تجاه الإعلامي محمد الغيطي، مع ضرورة التدخل الفوري من المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام لاحتواء الموقف وتهدئة حالة الغضب، والتحذير من خطورة تكرار مثل هذه التجاوزات، والتنبيه إلى أن السكوت عنها يفتح الباب أمام فوضى إعلامية تمس القيم المهنية والأخلاقية، مع التأكيد على ضرورة تفعيل الأدوات الرقابية بشكل أكثر صرامة، وعدم التهاون في مواجهة أي انتهاك لحرمة الحياة الخاصة أو الإساءة لرموز الفن والثقافة، بما يضمن حماية المجتمع من الانزلاق إلى خطاب إعلامي غير منضبط أو قائم على الإثارة على حساب الحقيقة والاحترام.
كم كانت سعادتنا بقرار المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام بوقف الإعلامي محمد الغيطي لمدة شهر، على خلفية ما تضمنته إحدى حلقات برنامجه “البصمة” من مخالفات اعتبرها المجلس خروجًا عن الأكواد المهنية وانتهاكًا لخصوصية الفنان عبد العزيز مخيون، وهو ما أثار حالة واسعة من الجدل داخل الوسط الإعلامي والفني.
ويأتي هذا القرار بعد مراجعة دقيقة من لجنة الشكاوى بالمجلس برئاسة الإعلامي عصام الأمير، وبناءً على تقرير الإدارة العامة للرصد، الذي أكد وجود مخالفات صريحة لأحكام القانون رقم 180 لسنة 2018 المنظم للعمل الإعلامي، وما يتضمنه من ضوابط واضحة تحمي الحياة الخاصة للأفراد، وتمنع التناول غير المهني لشؤونهم الشخصية.
إن ما حدث في الحلقة محل الشكوى لم يكن مجرد خطأ عابر، بل تجاوزًا واضحًا للحدود المهنية التي يفترض أن يلتزم بها كل إعلامي، خاصة عندما يتعلق الأمر بشخصية عامة لها تاريخها ومكانتها الفنية والإنسانية مثل الفنان عبد العزيز مخيون، الذي يمثل قيمة فنية كبيرة في المشهد الثقافي المصري.
هنا لا يمكن إغفال الدور المهم الذي قامت به نقابة المهن التمثيلية برئاسة الدكتور أشرف زكي، والتي سارعت إلى تقديم شكوى رسمية للمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، في موقف يعكس مسؤولية واضحة في الدفاع عن أعضائها وحماية مكانة الفنان المصري باعتباره جزءًا من قوة مصر الناعمة.
كما أن استجابة المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام برئاسة المهندس خالد عبد العزيز تؤكد أن هناك مؤسسات رقابية تعمل بجدية لضبط المشهد الإعلامي، والتعامل مع أي تجاوزات وفق القانون، بعيدًا عن الانفعال أو المجاملة، بما يرسخ مبدأ سيادة القانون واحترام الضوابط المهنية.
ولا شك أن هذه الواقعة أعادت التأكيد على ضرورة الفصل بين حرية التعبير، التي يكفلها الدستور، وبين انتهاك الخصوصية، التي يجرمها القانون ويعتبرها تجاوزًا لا يمكن القبول به تحت أي ذريعة، لأن حرية الإعلام لا تعني المساس بكرامة الأفراد أو حياتهم الخاصة.
كما أن تطبيق القانون رقم 180 لسنة 2018 في مثل هذه الحالات يعكس وجود إطار تنظيمي واضح للعمل الإعلامي في مصر، يهدف إلى حماية المجتمع من الفوضى الإعلامية، وضمان التوازن بين حرية الإعلام واحترام حقوق الإنسان.
إن الإعلام رسالة ومسؤولية، وليس منصة للإثارة أو تصفية الحسابات أو اقتناص المشاهدات على حساب القيم الأخلاقية والمهنية، وهو ما يجب أن يكون حاضرًا في وعي كل من يعمل في هذا المجال.
وفي النهاية، فإن هذا القرار يمثل خطوة مهمة في اتجاه ضبط الأداء الإعلامي، ورسالة واضحة بأن هناك حدودًا لا يجوز تجاوزها، وأن المهنية ليست اختيارًا بل التزامًا، وأن احترام الإنسان وخصوصيته يظل في مقدمة الأولويات.
ونأمل أن تستمر مثل هذه القرارات في تعزيز بيئة إعلامية أكثر التزامًا ووعيًا، تحترم القوانين والأخلاقيات، وتعيد الاعتبار لقيمة الكلمة ودورها الحقيقي في بناء المجتمع.
كاتب المقال المستشار محمد سليم عضو المحكمة العربية وعضو اللجنة الدستورية والتشريعية بمجلس النواب السابق والمحامى بالدستورية والنقض

