بوابة الدولة
بوابة الدولة الاخبارية

”اقتصاد المبدعين” يستحوذ على 32 مليار دولار من الإنفاق العالمي .. ماذا يعني ؟

"اقتصاد المبدعين" يستحوذ على 32 مليار دولار من الإنفاق العالمي .. ماذا يعني ؟
 عبد الناصر محمد -

أصدر مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار بمجلس الوزراء، تحليلاً جديداً حول "اقتصاد المُبدعين"، باعتباره أبرز التحولات في بنية الاقتصاد الرقمي؛ حيث أصبح إنتاج المحتوى عبر المنصات الرقمية نشاطًا اقتصاديًّا قائمًا بذاته يسهم في إعادة تشكيل أساليب التسويق، والتواصل بين العلامات التجارية والجمهور.

ومع توسُّع استخدام وسائل التواصل الاجتماعي، والهواتف الذكية، وتطور أدوات إنتاج وتحليل المحتوى، برز المُبدعون بوصفهم فاعلين اقتصاديين مؤثرين في توجيه سلوك المستهلكين، وصناعة القرار الشرائي.

وفي هذا السياق، لم يعد التسويق الرقمي يعتمد على الإعلانات التقليدية فقط، بل اتجه بشكل متزايد نحو نماذج قائمة على الثقة والتفاعل والمحتوى الذي ينتجه الأفراد داخل المجتمعات الرقمية.

ويشير اقتصاد المبدعين إلى النشاط الاقتصادي الناتج عن الأفراد الذين يتمثل نشاطهم المهني الأساسي في إنتاج المحتوى الرقمي وتوزيعه، إلى جانب المنصات والأدوات والخدمات التي تُمكّن هذا النشاط وتدعمه.

ويشمل ذلك منشئي الفيديوهات، والكتّاب، ومقدمي البودكاست، والفنانين التشكيليين، والموسيقيين، والمعلمين، وكل من يحقق عائدًا ماديًّا من خلال جذب انتباه الجمهور أو الخبرة أو بناء المجتمعات الرقمية عبر القنوات الرقمية، ويستبعد هذا التعريف شركات الإعلام التقليدية، ودور النشر القديمة التي تعمل عبر القنوات الرقمية، وكذلك شركات البرمجيات المؤسسية التي تخدم قطاعات متعددة لا تقتصر على المبدعين، كما يستبعد أيضًا إنتاج المحتوى غير الاحترافي الذي لا يهدف إلى تحقيق دخل.

أكد التحليل أيضًا على التمييز بين عدد من الفئات المتداخلة، وهم: المُبدعون، والمُؤثرون، وروّاد الأعمال الرقميون، فالمُبدع هو أي شخص ينتج محتوى رقميًّا أصليًّا، بينما يُعد المُؤثر فئة فرعية من المُبدعين تعتمد قيمته الاقتصادية على قدرته على التأثير في قرارات الجمهور وسلوكهم الشرائي.

وبمعنى آخر، كل مُؤثر هو مُبدع، لكن ليس كل مُبدع مُؤثرًا، كما يظهر نوع آخر من الفاعلين؛ وهم روّاد الأعمال الرقميون الذين يستخدمون المحتوى كوسيلة لبناء مشروعات تجارية أوسع، مثل المتاجر الإلكترونية أو الدورات التدريبية أو الخدمات الاستشارية، وليس كمصدر دخل مباشر قائم على المشاهدات، أو التفاعل فقط.

أشار مركز المعلومات وفقًا لأحدث توقعات شركة (Precedence Research) المتخصصة في أبحاث السوق الصادرة في أبريل 2026، إلى أن حجم سوق اقتصاد المُبدعين عالميًّا يُقدَّر بنحو 254.4 مليار دولار أمريكي في عام 2025، ومن المتوقع أن يرتفع من 314 مليار دولار في عام 2026، ثم سيواصل الارتفاع ليصل إلى نحو 2.08 تريليون دولار بحلول عام 2035، بمعدل نمو سنوي مركب يبلغ 23.41% خلال الفترة من 2026 إلى 2035.

وعلى صعيد المناطق الجغرافية، أشار مركز المعلومات إلى استحواذ أمريكا الشمالية على الحصة الأكبر من سوق اقتصاد المُبدعين في عام 2025، بنسبة بلغت 35%، وهو ما يعكس ريادتها في هذا القطاع مقارنةً بالمناطق الأخرى.

في المقابل، من المتوقع أن تشهد منطقة آسيا والمحيط الهادي أسرع معدل نمو سنوي مركب خلال الفترة من 2026 إلى 2035، مدفوعًا بتوسع البنية الرقمية وزيادة انتشار منصات المحتوى.

وقد استعرض التحليل أبرز العوامل الدافعة لنمو اقتصاد المُبدعين عالميًّا ومنها: الانتشار الواسع للهواتف الذكية والإنترنت فائق السرعة في إتاحة صناعة المحتوى للجميع؛ مما مكّن أي شخص يمتلك جهازًا محمولًا من الوصول إلى جماهير عالمية.

يأتي ذلك بالإضافة إلى التطور الملحوظ في البنية التحتية للمنصات مما وفر للمُبدعين أدوات متطورة لإنتاج المحتوى وتحليل آراء الجمهور وتحقيق الربح، فضلاً عن التحول الجذري في سلوك المستهلكين لاسيما بين الفئات العمرية الشابة الذين باتوا يفضلون المحتوى الأصيل الذي يقدمه المُبدعون على الإعلانات التقليدية ووسائل الإعلام التابعة للشركات.

وفيما يتعلق بصناع المحتوى النشطين عالميًا، أشار التحليل إلى أن عددهم يُقدر بأكثر من 207 ملايين شخص، ومن بين هذا العدد يوجد نحو 50 مليون مبدع محترف يعتمدون على أنشطتهم الإبداعية كمصدر دخل أساسي، في حين يمثل الـ 157 مليوناً المتبقون قاعدة واسعة من الهواة والمبدعين الطموحين الذين يُسهمون في حيوية المنظومة الرقمية وقد يُشكلون الجيل القادم من المبدعين المحترفين.

أشار التحليل إلى أن الإنفاق العالمي على التسويق عبر المؤثرين شهد نموًّا ملحوظًا، ليصل إلى نحو 32.55 مليار دولار عالميًّا عام 2026، مع تحقيق متوسط عائد يبلغ 5.78 دولارات مقابل كل دولار يُستثمر في الشراكات مع المُبدعين.

ويعكس ذلك تزايد اعتماد الشركات على التسويق القائم على المبدعين؛ نظرًا لما يتمتعون به من مصداقية وقدرة على الوصول إلى جماهير متخصصة بصورة أكثر فاعلية من الإعلانات التقليدية.

وفيما يتعلق بقنوات الإيرادات، فقد استحوذ قطاع الإعلانات على الحصة الأكبر في عام 2025، مدفوعًا بتنامي الاعتماد على الشراكات القائمة على التسويق بالعمولة، حيث تحصل العلامات التجارية على خدمات الترويج عبر المبدعين مقابل عمولات تُحتسب وفقًا للمبيعات الفعلية.

كما تُظهر تفضيلات منصات صناع المحتوى أنماطًا مثيرة للاهتمام؛ حيث تستحوذ منصات بث الفيديو على 39% من إيرادات اقتصاد صناع المحتوى؛ مما يعكس التفاعل المرتفع وإمكانية تحقيق الربح من محتوى الفيديو. وتُسهم منصات التواصل الاجتماعي مجتمعةً بنسبة 28% من الإيرادات، بينما تُشكّل المدونات الصوتية والبودكاست، وغيرها من الأدوات الرقمية النسبة المتبقية البالغة 33%.

هذا، ويتجه اقتصاد المُبدعين نحو مزيد من النضج المؤسسي، مع انتقال المُبدعين من دور إنتاج المحتوى إلى بناء مشروعات رقمية متكاملة، وتطوير علاماتهم الشخصية باعتبارها أصلًا اقتصاديًّا.

كما تتجه الشركات إلى دمج المُبدعين في مراحل مبكرة من تطوير المنتجات واستراتيجيات التسويق، بما يعكس تحولًا من العلاقة الترويجية إلى شراكات استراتيجية قائمة على المشاركة في بناء القيمة وتعزيز النمو المشترك.

وفي هذا السياق، تبنت وزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات عددًا من المبادرات والبرامج الهادفة إلى تأهيل الكوادر الرقمية، ضمن منظومة التحول الرقمي، والتي تستهدف تدريب الشباب على صناعة المحتوى الرقمي، والتسويق الرقمي، والعمل الحر والإعلام الرقمي، ومن أبرزها مراكز (Creativa) التابعة لـوزارة الاتصالات، والتي تقدم تدريبًا مرتبطًا بالمهارات الرقمية والإبداعية والعمل الحر والابتكار الرقمي.

وفي السياق ذاته، حققت مبادرات "أجيال مصر الرقمية" خلال عام 2025، تخريج أكثر من 156 ألف متدرب ليصل بذلك إجمالي عدد المستفيدين منذ إطلاق المبادرات، حتى نهاية العام ذاته إلى نحو 277 ألف متدرب ومتدربة. وتهدف هذه المبادرات إلى بناء قاعدة واسعة من الكفاءات الرقمية المؤهلة القادرة على قيادة مسارات التحول الرقمي.

كما أطلقت وزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات النسخة الثانية من مبادرة "مستقبلنا رقمي" (Egypt FWD)، والتي تدعمها هيئة تنمية صناعة تكنولوجيا المعلومات "إيتيدا" لتجهيز وتدريب 250 ألف شاب مصري باستخدام منصة (Udacity) للتعلم عبر الإنترنت على التقنيات والمهارات الرقمية.

كما تهدف إلى تأهيل المتدربين للانضمام إلى القوى العاملة الرقمية، وخلق فرص عمل في السوق المحلية.

أوضح التحليل في ختامه أن اقتصاد المُبدعين يعكس تحولًا هيكليًّا عميقًا في بنية الاقتصاد الرقمي والتسويق الحديث؛ حيث لم يعد المحتوى الرقمي مجرد وسيلة للتواصل أو الترفيه، بل أصبح أصلًا اقتصاديًّا قائمًا بذاته ومحركًا رئيسًا للتأثير في سلوك المستهلكين واتجاهات الأسواق.

وقد أسهمت منصات التواصل الاجتماعي، والتطورات التكنولوجية، والانتشار الواسع للهواتف الذكية والذكاء الاصطناعي، في تمكين المبدعين من بناء مجتمعات رقمية وعلامات تجارية مستقلة، بما دفع الشركات إلى إعادة صياغة استراتيجياتها التسويقية بالاعتماد على المحتوى التفاعلي والشراكات طويلة الأجل مع صُنّاع المحتوى.