كيف أعادت ثورة 30 يونيو رسم السياسة الخارجية لمصر في مختلف الملفات؟

تمثلت الأهداف الأساسية لثورة 30 يونيو في مصر عام 2013 في إنقاذ البلاد من حالة الاستقطاب السياسي الحاد، وإسقاط مشروع "التمكين". كما سعت الثورة إلى إجراء انتخابات رئاسية مبكرة وعزل السلطة التي كانت تواجه رفضاً شعبياً واسعاً، وإعادة بناء مؤسسات الدولة، والحفاظ على الهوية الوطنية، واستعادة تماسك مؤسسات الدولة الوطنية.
وهو الأمر الذي انعكس بالتبعية على سياسة مصر الخارجية خاصة فى ظل التحديات والأزمات التى تواجهها المنطقة عربيًا وإقليميا ودوليًا، بالإضافة إلى حرص مصر على استمرارها في لعب أدوار حيوية في وضع الأزمات على مسار التصحيح السليم بأيدى أبناء كل بلد يمر بهذه الأزمة، وهو الأمر الذى جعلها شريكًا رئيسيا في غالبية الجهود الدولية الرامية لحل الأزمات.
وفيما يلى نرصد أبرز محددات السياسة الخارجية لمصر بعد ثورة 30 يونيو فى أبرز الملفات:
- إقامة علاقات متوازنة مع جميع دول العالم فى إطار قائم على الندية وتحقيق المصالح المشتركة وتوظيف العلاقات الطيبة مع الدول لخدمة التنمية فى مصر.
- الاحترام المتبادل وعدم التدخل فى الشئون الداخلية انطلاقاَ من مبادئ السياسة الخارجية المصرية، القائمة على دعم السلام والاستقرار في المحيط الإقليمي والدولي، ودعم مبدأ الاحترام المتبادل بين الدول.
- التمسك بمبادئ القانون الدولي، واحترام العهود والمواثيق، ودعم دور المنظمات الدولية وتعزيز التضامن بين الدول.
- الاهتمام بالبعد الاقتصادي للعلاقات الدولية، وعدم التدخل في الشئون الداخلية للغير.
- مواجهة الإرهاب ومحاربة الفكر المتطرف أبرز محاور السياسة الجديدة
- مواجهة الإرهاب ومحاربة الفكر المتطرف في مصر أو محاربة الإرهاب على مستوى المنطقة، مع التأكيد على شمولية المواجهة.
وسلكت السياسة المصرية نسقا ثابتا من تسلم الرئيس السيسى مقاليد الحكم في البلاد ودبلوماسية ترتكز على تنويع التحركات انطلاقا من مبادئ الاحترام المتبادل والندية ورفض التدخل فى الشئون الداخلية للدول واحترام سيادتها واستقلالها مع التشديد على تماسك المؤسسات الوطنية للدول للحيلولة دون تهاويها ونشر الفوضى بها لاسيما في المحيط الإقليمي.
ثمار السياسة الخارجية المصرية بعد 30 يونيو
وجنت مصر بقيادة الرئيس السيسي ثمار سياستها الخارجية الجديدة من خلال العمل والتحرك الدبلوماسي بشقيه الثنائي والمتعدد الأطراف بل وامتد كذلك إلى الدبلوماسية الاقتصادية والتنموية والبيئية. ومنذ ثورة 30 يونيو استطاعت مصر تحقيق نجاحا ملموسًا فى سياستها الخارجية في دوائرها المختلفة العربية والإسلامية والإفريقية والدولية، لتستعيد مكانتها ودورها المحورى لصالح شعبها والمنطقة والعالم، الأمر الذى حقق العديد من أهداف ومصالح مصر وأدى إلى تفهم ودعم المجتمع الدولى لجهود مصر في تحقيق الاستقرار والتنمية والتقدم، وأعاد شبكة علاقات مصر الإقليمية والدولية إلى المستوى المأمول من التوازن والندية والاحترام المتبادل، وساهم في تحقيق أهداف الأمن القومي المصري ودعم قدرات مصر العسكرية والاقتصادية.
سياسة مصر نحو إفريقيا بعد ٣٠ يونيو
وتؤمن مصر بأهمية العمل الإفريقي المشترك وتسهم بجهد حثيث فى تحقيق السلام كركيزة للتنمية فى القارة وهو الأمر الذى يظهر جليا فى المواقف التى تتبناها مصر وجهودها الحثيثة لتحقيق السلام والأمن والاستقرار والرخاء والتنمية فى ربوع القارة، فالانتماء المصري للقارة الإفريقية كان وسيظل في صدارة دوائر السياسية الخارجية خلال عهد الرئيس السيسى كما كان يشكل أحد المعالم الرئيسية في تاريخ مصر فضلا عن دوره في تطوير حاضر البلاد وصياغة مستقبلها..مستقبل زاهر بينما تصبو مصر فى طريقها نحو الجمهورية الجديدة.
ولم تكن صدفة أن تتبوأ مصر مقعد قيادة القارة الإفريقية فى عهد الرئيس السيسي في عام ٢٠١٩ ولمدة عام. وسط تسخير كافة إمكانات مصر بغية تحقيق النهوض بالقارة السمراء تعكسه توجيهات الرئيس السيسي المستمرة التى ظهرت جليا فى خضم أزمة جائحة كورونا المستجدة؛ حيث برزت مصر لتؤكد تضامنها مع أشقائها الأفارقة، كما قامت وزارة الخارجية بالتنسيق مع الجهات المصرية بتقديم المساعدات الطبية والمستلزمات الوقائية للأشقاء في القارة الإفريقية والتي شملت أكثر من 30 دولة إفريقية لمساعدتهم في مجابهة انتشار الفيروس.
ومنذ توليه الحكم فى البلاد، تواصل مصر تنفيذ توجيهات الرئيس السيسي بتوسيع دائرة التعاون مع الدول الإفريقية الشقيقة ومد جسور التواصل الحضاري مع كافة شعوبها، وكذلك تفعيل القوى المصرية الناعمة بالقارة والانخراط بفاعلية في صياغة وتطوير مبادئ وآليات العمل الإفريقي المشترك تحقيقاً للمنفعة لجميع الدول الإفريقية فيما يتعلق بالقضايا المحورية التي تمسها، خاصةً الملفات التنموية وملفات صون السلم والأمن في إفريقيا.
وتؤكد مصر في جميع الفعاليات الإقليمية وخلال اللقاءات الاستعداد لتسخير إمكاناتها وخبراتها لدفع عجلة العمل الإفريقي المشترك لآفاق أرحب وحرصها على تحقيق مردود ملموس من واقع الاحتياجات الفعلية للدول والشعوب الإفريقية، خاصة من خلال خلق حالة من التوافق حول المهددات الرئيسية للسلم والأمن، وفي مقدمتها مكافحة الإرهاب، وقيادة مسار التنمية المستدامة بالقارة، ونقل التجارب والخبرات الفنية المصرية من خلال تكثيف الدورات والمنح التدريبية المختلفة للأشقاء الأفارقة، وهو الأمر الذي من شأنه أن يرسخ الدور المصري المحوري في إفريقيا بما لديها من أدوات مؤثرة وخبرات فاعلة ورؤى متوازنة.
وتؤكد مصر في جميع المناسبات أن التوجه نحو إفريقيا هو بلا شك منظور ثابت ومستقر لسياسة مصر الخارجية فى عهد الرئيس السيسى، حيث تسعى القاهرة دوما لتحقيق المزيد من التضامن الإفريقي وصولا إلى أهدافنا المشتركة.
العلاقات المصرية ـ الآسيوية
وفى إطار التنوع فى العلاقات مع كافة الدول، تشهد العلاقات بين مصر وشركائها في آسيا زخما كبيرا يقوم على أساس تبادل المصالح، انعكس في وتيرة عالية تمثلت فى تبادل الزيارات رفيعة المستوى على المستوى الرئاسى أو على المستويات الوزارية وكبار المسئولين بغية تعزيز التعاون الثنائى بين مصر والعديد من الدول الآسيوية والمنظمات الإقليمية الآسيوية.
ويعد التعاون فى المجالات الفنية والتقنية أحد أهم ركائز العلاقات المصرية مع الدول الآسيوية، لاسيما فى قطاعات التعليم والتعليم العالى والصحة وبناء القدرات والتكنولوجيا والبحث العلمى والتبادل الثقافى والسياحة والبنية التحتية والاستثمار والتجارة.
وشهدت العلاقات بين مصر والدول الآسيوية منذ عام ٢٠١٤ تقدما ملحوظا عكسه إدراج المنطقة الاقتصادية لقناة السويس بقائمة مشاريع الممر البحرى لمبادرة الحزام والطريق الصينية، واتفاق مصر والصين على شراكة إستراتيجية متكاملة عام ٢٠١٤؛ حيث تعد مصر أكبر شريك للصين فى القارة الإفريقية، كما تأتى الصين كشريك تجارى أول لمصر.
وسعت الدولة المصرية إلى إعادة بناء سياستها الخارجية اعتمادا على مبادئ الندية والالتزام والاحــترام المتبادل وعدم التدخل في الشئون الداخلية لها، وتحقيق مصالح الشعب المصري من خلال إدارة علاقات مصر الدولية في إطار الشراكة ودعم إرادة الشعوب ودعم الحلول السياسية السلمية للقضايا المتنازع عليها.
العلاقات المصرية ـ الأمريكية
وفيما يخص العلاقات مع الولايات المتحدة، شهدت السنوات الأخيرة زخما كبيرا فى العلاقات بين القاهرة وواشنطن فى المجالات كل السياسية والاقتصادية والثقافية بخلاف قطاعات التعليم والاستثمار والتجارة. وشهدت السنوات الماضية أيضا تكثيفا للزيارات التبادلية مع كندا والدول اللاتينية لتطوير العلاقات الثنائية بمختلف المجالات، بالإضافة إلى دخول اتفاقية التجارة الحرة الموقعة بين مصر وتجمع دول الميركسور حيز التنفيذ منذ سبتمبر 2017.
العلاقات بين مصر وأوروبا
ومن ناحية أخرى، شهدت العلاقات المصرية الأوروبية دفعة قوية بعد ثورة 30 يونيو، سواء على المستوى الثنائي من خلال زيارات الرئيس لعدد كبير من الدول من بينها ألمانيا وإيطاليا وبريطانيا وفرنسا والمجر والبرتغال وقبرص واليونان، ومتعددة الأطراف من بينها آلية التعاون الثلاثي مع اليونان وقبرص، أو تطوير العلاقات إلى مستوى الشراكة مع دول فيشجراد.
واتسم نسق العلاقات المصرية ـ الأوروبية خلال السنوات الأخيرة بالاستمرارية في وتيرته العالية من الزيارات المُتبادلة رفيعة المستوى بين الجانبين، سواء في إطار العلاقات الثنائية مع الدول الأوروبية، أو مع الاتحاد الأوروبي، وذلك على ضوء العلاقات المتشعبة بين مصر والاتحاد الأوروبي، بالإضافة لكون الاتحاد الأوروبي أكبر شريك تجاري واستثماري لمصر، حيث تطرقت تلك اللقاءات إلى ملفات تعزيز العلاقات الثنائية، والتنسيق والتشاور تجاه العديد من القضايا الإقليمية والدولية.
الدور المصري في الأزمات العربية
حرصت مصر بعد انقضاء حكم الإخوان على عودة العمل العربى المشترك كأساس لحل مشكلات المنطقة العربية، ونظرًا لأن الأمن القومي العربي يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالأمن القومي المصري، فى ظل تأكيد مصر دائمًا على أن أمن الخليج جزء لا يتجزأ من أمنها القومي. ولعل الحرب الإسرائيلية الأخيرة على قطاع غزة أبرزت جهود مصر فى إعادة القضية الفلسطينية فى الأذهان ونجحت فى لعب دور محوري في اعتراف الكثير من الدول بدولة فلسطين دعمًا لها في هذه الحرب الشعواء وفى محاولات تخفيض الأثر النفسي الناجم عن حجم الدمار والتخريب الذي شهده القطاع، واستمرار مصر منذ أيام الحرب الأولى في السعي لإدخال المساعدات الإنسانية والطبية لأهالي قطاع غزة العزًل.
وتلعب مصر دوراً فاعلاً في المساهمة في إنهاء الأزمات في المنطقة العربية وإعادة الاستقرار، بما لها من قوة ومكانة، وما يضيفه لها موقعها الجغرافي ودورها التاريخي.
وتستند السياسة الخارجية المصرية تجاه الأزمات فى المنطقة العربية إلى عدة مرتكزات، تتلخص فى الحفاظ على الأمن القومى المصرى وما تمثله تلك الملفات من تهديد لأمن واستقرار مصر بالإضافة إلى الالتزام التاريخى لمصر تجاه الدول العربية.

