المستشار محمد سليم يكتب: استيراد السكر .. جرس إنذار قبل الكارثة

هناك قرارات لا يجوز أن تمر مرور الكرام، لأنها تمس لقمة عيش المواطن، ومستقبل الفلاح، ومصير الصناعة الوطنية، والأخطر من ذلك كله أنها تقترب من أحد أهم ملفات الأمن القومي المصري - الأمن الغذائي.
إن الموافقة على استيراد 600 ألف طن من السكر لصالح بعض الشركات الخاصة ليست مجرد صفقة تجارية، بل قرار يستحق أن تتوقف أمامه كل أجهزة الدولة، وأن يخضع للمراجعة الدقيقة، لأن نتائجه قد تمتد لسنوات طويلة.
أطلقها اليوم بكل قوة.. انتبهوا قبل فوات الأوان.
مصر لم تنفق المليارات على مصانع السكر، ولم تشجع الفلاح على زراعة القصب والبنجر، ولم تتحمل الدولة أعباء دعم هذا القطاع الحيوي، حتى نفتح الأبواب على مصاريعها أمام السكر المستورد، فيتراجع الإنتاج المحلي، ويخسر الفلاح، وتتعثر المصانع، وتضيع آلاف فرص العمل.
ويكفي أن نعلم أن المساحة المزروعة بقصب السكر في مصر تتراوح بين 320 و340 ألف فدان، تتركز غالبيتها في محافظات الصعيد، بينما يتجاوز إنتاج القصب 15 مليون طن سنويًا، يُستخرج منها نحو مليون طن من السكر بحسب الموسم الزراعي.
كما يعمل في زراعة القصب ومصانع السكر وخدمات النقل والتوريد أكثر من 100 ألف عامل بصورة مباشرة وغير مباشرة، إلى جانب آلاف العمالة الدائمة داخل المصانع، وهو ما يعكس حجم هذا القطاع وأهميته الاجتماعية والاقتصادية.
وتُعد محافظة قنا القلب النابض لصناعة السكر في مصر، إذ تضم نحو 120 ألف فدان منزرعة بقصب السكر، بما يمثل أكبر مساحة على مستوى الجمهورية، وتنتج ما يقرب من 35% من إجمالي إنتاج السكر، كما تحتضن ثلاثة من أكبر مصانع السكر وهي: نجع حمادي، ودشنا، وقوص، لتظل قنا قلعة صناعة السكر المصرية بلا منازع.
ولا تقتصر المنظومة على هذه المصانع فقط، إذ تمتلك مصر ثمانية مصانع لإنتاج سكر القصب، سبعة منها في صعيد مصر، وهي: أبو قرقاص بمحافظة المنيا، وجرجا بمحافظة سوهاج، ونجع حمادي، ودشنا، وقوص بمحافظة قنا، وأرمنت بمحافظة الأقصر، وإدفو بمحافظة أسوان، بالإضافة إلى مصنع كوم أمبو، وهي استثمارات ضخمة أقامتها الدولة عبر عقود طويلة، ولا يجوز أن تتعرض للتراجع بسبب سياسات قد تؤثر في حجم التوريد والإنتاج المحلي.
هنا يبقى السؤال من الذي سيتحمل مسؤولية إحباط الفلاح إذا وجد أن محصوله لم يعد مطلوبًا كما كان؟ ومن سيضمن استمرار زراعة القصب والبنجر إذا شعر المزارع أن السوق أصبحت تفضل المستورد؟
وماذا سيكون مصير مصانع السكر إذا انخفضت كميات المحاصيل الموردة إليها؟ هل ننتظر حتى تتراجع معدلات التشغيل، ثم نبكي على صناعة كانت يومًا من ركائز الاقتصاد الوطني؟
والسؤال الأخطر، ماذا لو اندلعت أزمة عالمية جديدة؟ ماذا لو ارتفعت أسعار السكر عالميًا؟ ماذا لو تعطلت سلاسل الإمداد؟ هل سنكتشف وقتها أننا فرطنا في قدرتنا على الإنتاج، وأصبحنا أسرى للأسواق الخارجية؟
لقد كانت صناعة السكر في مصر خلال حقبة التسعينيات تدر دخلاً للاقتصاد المصري تجاوز في بعض الفترات إيرادات قناة السويس، وهو ما يؤكد أن هذا القطاع لم يكن مجرد نشاط زراعي، بل أحد أعمدة الاقتصاد الوطني.
وتاريخ قصب السكر في مصر ليس وليد اليوم، بل يمتد لقرون طويلة، فـ بعد انتقال زراعته من الهند مرورًا بفارس، انتشر في مصر خلال العصور الإسلامية، ووجد في وادي النيل البيئة المثالية للنمو، وازدهرت زراعته في العصرين الفاطمي والأيوبي، ثم بلغت صناعة السكر ذروتها في العصر المملوكي، حيث انتشرت المعاصر والمصانع التقليدية في محافظات الصعيد،ومع عهد محمد علي باشا بدأت مرحلة جديدة من التطوير، عبر تحديث الزراعة وإنشاء مصانع حديثة لاستخراج السكر، لتصبح هذه الصناعة أحد أهم أعمدة الاقتصاد المصري، واستمرت الدولة بعد ذلك في التوسع بإنشاء مصانع السكر في المنيا وسوهاج وقنا والأقصر وأسوان، حتى أصبحت صناعة وطنية عملاقة ترتبط بها حياة مئات الآلاف من الأسر المصرية.
هنا نؤكد إن الدول لا تفرط في غذائها، ولا تضع أمنها الغذائي في يد الأسواق العالمية، لأن الغذاء أصبح سلاحًا لا يقل خطورة عن أي سلاح آخر.
ويكفي أن نتذكر أحمد عبود باشا، أحد أبرز رجال الاقتصاد في مصر خلال النصف الأول من القرن العشرين، والذي لُقب بـ"إمبراطور السكر"، فقد نجح في بناء إمبراطورية صناعية ضخمة، وكان قطاع السكر حجر الأساس في نجاحه، حيث أسهم في تحديث الصناعة، وإدخال أساليب إنتاج متطورة، والتوسع في الصناعات المرتبطة بالسكر مثل الكحول والمنتجات الكيميائية، لترتقي الصناعة المصرية إلى مستويات غير مسبوقة ، كما كان من أبرز الداعمين لسياسة "تمصير الاقتصاد"، التي هدفت إلى تعزيز سيطرة المصريين على المشروعات الوطنية الكبرى، ولذلك ظل اسمه محفورًا في تاريخ الصناعة المصرية باعتباره أحد أهم روادها.
رسالتي إلى الحكومة واضحة وصريحة ، راجعوا هذا القرار بكل دقة، وأعلنوا للرأي العام مبرراته، واضمنوا ألا يكون على حساب الفلاح المصري أو الصناعة الوطنية أو الأمن الغذائي.
لسنا ضد الاستيراد إذا كان لسد فجوة حقيقية، ولكننا ضد أن يتحول إلى سياسة تضعف المنتج المحلي وتمنح المستورد أفضلية على حساب من يزرع ويصنع ويعمل.
إن حماية الفلاح ليست رفاهية.، وحماية الصناعة ليست شعارًا، وحماية الأمن الغذائي ليست خيارًا، بل هي مسؤولية وطنية لا تحتمل المغامرة.
فكل فدان يخرج من دائرة الإنتاج، وكل مصنع تتراجع طاقته التشغيلية، وكل عامل يفقد مصدر رزقه، هو خسارة مباشرة للاقتصاد الوطني، ورسالة سلبية لكل من يؤمن بأن الزراعة والصناعة هما أساس نهضة الأمم.
التاريخ لن يرحم من يفرط في قوت شعبه، والأجيال القادمة لن تغفر لمن أهمل الزراعة، وأضعف الصناعة، وجعل أمن مصر الغذائي معلقًا بقرارات وأسعار وأسواق خارج حدود الوطن. فالأوطان القوية تُبنى بالإنتاج... لا بالاستيراد، وبالمصانع العاملة... لا بالمخازن الممتلئة بالسلع المستوردة، وبالفلاح الذي يجد التقدير والدعم... لا بالإحباط وغياب الرؤية.
كاتب المقال المستشار محمد سليم عضو المحكمة العربية وعضو اللجنة الدستورية والتشريعية بمجلس النواب السابق والمحامى بالدستورية والنقض

