المستشار محمد سليم يكتب: رجال لا يموتون.. محمد الشربيني سيرة بطل خلدها الواجب

"إن العين لتدمع، وإن القلب ليحزن، ولا نقول إلا ما يرضى ربنا، وإنا بفراقك يا سيادة اللواء الدكتور محمد الشربيني لمحزونون." - إنا لله وإنا إليه راجعون.
هناك لحظات يعجز فيها القلم عن الكتابة، وتتوقف الكلمات أمام هول الفاجعة، لأن الحديث ليس عن مسؤول أدى عمله ثم انصرف، وإنما عن رجل عاش عمره كله في مواجهة الموت، حتى اختاره الله شهيدا وهو يؤدي أشرف رسالة عرفتها الإنسانية، وهي إنقاذ الأرواح وحماية الناس.
بقلوب يملؤها الحزن والأسى، نتقدم بخالص العزاء إلى فخامة الرئيس عبد الفتاح السيسي، وإلى اللواء محمود توفيق وزير الداخلية، وإلى جميع قيادات وضباط وأفراد وزارة الداخلية، وإلى الشعب المصري العظيم، في استشهاد اللواء الدكتور محمد الشربيني، مدير الإدارة العامة للحماية المدنية بقطاع أمن القاهرة، الذي ارتقى إلى جوار ربه متأثرا بإصابته أثناء مشاركته في إخماد حريق منشأة ناصر، بعدما ظل حتى آخر لحظة يقود رجاله بنفسه، رافضا أن يترك موقع الخطر أو يتراجع خطوة واحدة.
لقد رحل الجسد، لكن البطولة لا تموت، والرجال العظام لا يغيبون، بل تتحول سيرتهم إلى صفحات مضيئة في تاريخ الأوطان، ترويها الأجيال جيلا بعد جيل، ليعرف الجميع أن مصر ما زالت تنجب رجالا يؤمنون بأن الواجب أغلى من الحياة، وأن القسم الذي أقسموه لا يسقط إلا بخروج الروح إلى بارئها.
لم يكن اللواء الدكتور محمد الشربيني من أولئك الذين يديرون المعارك من خلف المكاتب، ولم يكن قائدا يصدر التعليمات ثم يكتفي بالمشاهدة، بل كان يؤمن بأن القائد الحقيقي هو أول من يصل إلى موقع الخطر، وآخر من يغادره. لذلك عرفه الجميع وسط الدخان والنيران، لا داخل المكاتب المكيفة، يحمل هم رجاله قبل أن يحمل هم نفسه، ويطمئن على المواطنين قبل أن يفكر في سلامته الشخصية.
كم من أسرة مصرية نامت آمنة بفضل الله ثم بفضل رجال الحماية المدنية الذين يسابقون الزمن لإنقاذ الأرواح والممتلكات. وكم من كارثة تم احتواؤها بفضل خبرات هذا الرجل الذي أفنى عمره في خدمة وطنه، حتى أصبح أحد أهم وأبرز قيادات الحماية المدنية في مصر، بما امتلكه من علم وخبرة وشجاعة وحسن إدارة للأزمات.
ولم يكن تميزه في الميدان فقط، بل كان صاحب فكر وعلم، فقد حصل على درجة الدكتوراه في علوم الشرطة عن دراسة علمية تناولت استخدام التكنولوجيا الحديثة في إدارة الكوارث، مستفيدا من نظم المعلومات الجغرافية وتقنيات تحديد المواقع والاستشعار عن بعد، إيمانا منه بأن العلم هو السلاح الحقيقي لمواجهة الأزمات. كان يؤمن بأن تطوير الأداء الأمني لا يتحقق إلا بالعلم والتدريب والعمل المستمر، ولذلك ظل نموذجا للقائد الذي جمع بين العقل الشجاع والعلم المتخصص.
ولأن الأوطان لا تنسى أبناءها المخلصين، فقد كرمه الرئيس عبد الفتاح السيسي قبل استشهاده بعدة أشهر بمنحه نوط الامتياز من الطبقة الأولى، وهو تكريم لم يأت من فراغ، بل كان اعترافا من الدولة بقيمة رجل أعطى وطنه عمره كله، ولم ينتظر مقابلا سوى أن يؤدي رسالته بإخلاص وشرف.
وكأن هذا التكريم كان شهادة وفاء لرجل كتب اسمه في سجل الشرف قبل أن يكتبه في سجل الشهداء. فقد كان الشربيني واحدا من الرجال الذين يعملون في صمت، بعيدا عن الأضواء، لا يبحثون عن الشهرة، ولا ينتظرون كلمات الثناء، وإنما يجدون سعادتهم في إنقاذ حياة إنسان، أو إخماد حريق، أو إعادة الطمأنينة إلى قلوب المواطنين.
لقد أثبتت وزارة الداخلية المصرية، على مدار تاريخها الطويل، أنها مؤسسة وطنية دفعت أثمانا باهظة من دماء أبنائها دفاعا عن أمن هذا الوطن. فمنذ معركة الإسماعيلية المجيدة عام 1952، حين رفض رجال الشرطة الاستسلام لقوات الاحتلال البريطاني وسطروا بدمائهم واحدة من أعظم صفحات البطولة، وحتى اليوم، لا تزال الوزارة تقدم الشهداء في مواجهة الإرهاب والجريمة والكوارث، لتؤكد أن التضحية من أجل مصر عقيدة راسخة لا تتغير.
وفي ظل قيادة اللواء محمود توفيق وزير الداخلية، تواصل الوزارة مسيرة التطوير والتحديث، دون أن تتخلى عن قيمها الأصيلة، وفي مقدمتها الإخلاص والانضباط والتضحية. وما حدث في حريق منشأة ناصر يؤكد أن رجال الداخلية لا يزالون يقدمون أرواحهم دفاعا عن المواطنين، دون تردد أو خوف، واضعين الواجب فوق كل اعتبار.
لقد أبكت هذه الفاجعة كل بيت مصري، ليس فقط لأننا فقدنا قائدا أمنيا كبيرا، ولكن لأننا فقدنا إنسانا نذر حياته لخدمة الآخرين. وستظل صورته وهو يقود عمليات الإطفاء وسط ألسنة اللهب شاهدة على أن البطولة ليست كلمات تكتب، وإنما مواقف تسجلها اللحظات الصعبة.
ولا يسعنا في هذا المقام إلا أن ننحني إجلالا أيضا أمام أرواح باقي شهداء الواجب الذين ارتقوا في هذا الحادث الأليم، النقيب عبد الرحمن العدوي، وأمين الشرطة حمد عبد الجواد السيد صبرة، وأحمد محمد محمود، الموظف بوزارة الكهرباء، الذين قدموا أرواحهم وهم يؤدون واجبهم بكل إخلاص، ليؤكدوا أن مصر لا تزال مليئة بالرجال الذين يقدمون حياتهم فداء للوطن.
وداعا أيها الإنسان الذي لم يعرف سوى طريق الشرف والواجب، وداعا أيها القائد الذي عاش واقفا، ورحل واقفا، وبقيت مواقفه شامخة في ذاكرة كل من عرف معنى التضحية.
رحم الله اللواء الدكتور محمد الشربيني، وأسكنه فسيح جناته مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وألهم أسرته الصبر والسلوان، وحفظ الله مصر، وحفظ رجالها الأوفياء الذين يكتبون كل يوم بدمائهم أن الوطن سيظل باقيا ما بقي فيه رجال يؤمنون أن خدمة الناس شرف، وأن التضحية من أجل الوطن هي أعظم وسام يمكن أن يحمله الإنسان.
كاتب المقال المستشار محمد سليم عضو المحكمة العربية وعضو اللجنة الدستورية والتشريعية بمجلس النواب السابق والمحامى بالدستورية والنقض

