الكاتب الصحفي سمير دسوقي يكتب:حين يدفع رجال الإنقاذ أرواحهم ثمنًا للواجب وإهمال العشوائيات

ما زال هذا الوطن يثبت كل يوم أن أبناءه المخلصين يقدمون أروع صور التضحية والفداء، وفي مقدمتهم رجال الحماية المدنية المصرية، الذين يواجهون الموت في كل لحظة استجابةً لأي بلاغ، غير عابئين بالمخاطر التي تحيط بهم، واضعين أرواحهم على أكفهم من أجل إنقاذ الآخرين.
ومن خلال عملي الصحفي لسنوات في تغطية الحوادث والقضايا، كنت شاهدًا على بطولات هؤلاء الرجال. تابعت عن قرب عمليات الإطفاء والإنقاذ، ورأيت حجم المعاناة التي يواجهونها وسط ألسنة اللهب، وبين المباني المهددة بالانهيار، وفي أصعب الظروف. ومع ذلك، كانت السعادة ترتسم على وجوههم كلما نجحوا في إنقاذ طفل أو شاب أو مسن من تحت الأنقاض أو من قلب النيران.
لقد تأثرت كثيرًا بخبر استشهاد اللواء الدكتور محمد الشربيني، مدير الحماية المدنية بالقاهرة، الذي ارتقى شهيدًا أثناء أداء واجبه وسط رجاله، وهم يواجهون حريقًا هائلًا، قبل أن ينهار عليهم أحد المباني. إنها لحظة مؤلمة تؤكد أن رجال الحماية المدنية لا يكتفون بمواجهة النيران، بل يواجهون أيضًا أخطار المباني الآيلة للسقوط والعشوائيات التي أصبحت تهدد الجميع.
وهنا يفرض السؤال نفسه: إذا كان رجال الحماية المدنية يهبون لإنقاذ أرواح المواطنين من الحرائق والانهيارات، فمن يحمي أرواحهم هم من المباني المتهالكة والعشوائيات التي تحصد أرواح الأبطال؟
إن استشهاد رجال الواجب يجب ألا يمر مرور الكرام، بل ينبغي أن يكون دافعًا لمراجعة أوضاع المباني الخطرة، ومحاسبة كل من تسبب في استمرار هذه المخاطر، حتى لا تتكرر مثل هذه المآسي، وحتى لا ندفع ثمن الإهمال من دماء خيرة أبناء الوطن.
رحم الله شهداء الواجب، وأسكنهم فسيح جناته، وألهم ذويهم الصبر والسلوان، وستظل تضحياتهم وسامًا على صدر الوطن، ودليلًا على أن مصر لا تزال تنجب رجالًا يكتبون بدمائهم أسمى معاني الشرف والبطولة.تحيا مصر... تحيا مصر... تحيا مصر.

