المستشار محمد سليم يكتب: الأوكتاجون.. عندما تتحول رؤية الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى قوة تحمي الوطن

لم يعد بناء الدول في القرن الحادي والعشرين يعتمد فقط على تشييد الطرق والكباري والمدن الجديدة، بل أصبح يرتكز على امتلاك مؤسسات قوية، وإدارة حديثة، وبنية تكنولوجية متطورة، ورؤية استراتيجية تستشرف المستقبل. ومن هذا المنطلق، يأتي "الأوكتاجون" ليجسد واحدة من أهم ثمار رؤية الرئيس عبد الفتاح السيسي في بناء دولة عصرية تمتلك أدوات القوة الشاملة، وتحافظ على أمنها القومي في عالم يموج بالصراعات والتحديات.
لقد آمن الرئيس عبد الفتاح السيسي منذ توليه مسؤولية قيادة البلاد بأن الأمن هو أساس التنمية، وأن الدولة التي لا تمتلك جيشًا قويًا ومؤسسات حديثة لن تستطيع حماية مكتسباتها أو تحقيق طموحات شعبها. لذلك جاءت عملية تطوير القوات المسلحة المصرية وفق خطة شاملة لم تقتصر على تحديث التسليح، وإنما امتدت إلى تطوير الفكر العسكري، وتأهيل العنصر البشري، وإنشاء منظومات قيادة وسيطرة تواكب أحدث النظم العالمية.
ويُعد "الأوكتاجون"، مركز القيادة الاستراتيجية للدولة والمقر الجديد للقيادة العامة للقوات المسلحة، ترجمة عملية لهذه الرؤية. فهو ليس مجرد مبنى إداري ضخم، وإنما عقل إلكتروني متكامل لإدارة العمليات العسكرية والأزمات، يعتمد على أحدث وسائل الاتصالات والذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات، بما يضمن سرعة اتخاذ القرار ودقة تنفيذه في مختلف الظروف.
ويتميز المجمع بتصميم هندسي فريد يقوم على ثمانية مبانٍ مترابطة، تضم قيادات وأفرع القوات المسلحة داخل منظومة واحدة، وهو ما يحقق أعلى درجات التنسيق والتكامل بين مختلف الإدارات العسكرية، ويختصر الوقت والجهد في إدارة العمليات، سواء في أوقات السلم أو عند مواجهة الأزمات والطوارئ.
كما يعكس "الأوكتاجون" اهتمام الدولة المصرية ببناء بنية تحتية دفاعية متطورة، قادرة على مواجهة التحديات التقليدية وغير التقليدية، خاصة في ظل تنامي مخاطر الإرهاب، والهجمات السيبرانية، وحروب المعلومات، التي أصبحت أحد أخطر أسلحة العصر الحديث.
ولم يكن اختيار العاصمة الإدارية الجديدة مقرًا لهذا الصرح العملاق أمرًا عشوائيًا، بل جاء ضمن رؤية متكاملة للرئيس عبد الفتاح السيسي، تهدف إلى إنشاء عاصمة ذكية تعتمد على أحدث وسائل التكنولوجيا، وتضم مؤسسات الدولة في بيئة عصرية تتناسب مع مكانة مصر وتاريخها، وتؤكد أن الجمهورية الجديدة تُبنى على أسس علمية وتخطيط استراتيجي بعيد المدى.
إن ما تحقق خلال السنوات الماضية في مجال تطوير القوات المسلحة يؤكد أن القيادة السياسية كانت تدرك مبكرًا حجم التحديات التي تحيط بالمنطقة، ولذلك حرصت على امتلاك كل عناصر القوة والردع، حتى تظل مصر قادرة على حماية حدودها، وصون مقدرات شعبها، والحفاظ على استقرارها وسط إقليم شديد الاضطراب.
كما أن إنشاء "الأوكتاجون" يبعث برسالة واضحة إلى العالم بأن مصر لا تبحث عن الصراع، لكنها تمتلك من الإمكانات والقدرات ما يجعلها قادرة على حماية أمنها القومي بكل قوة واقتدار. فالدولة القوية هي التي تمتلك قرارها، وتحمي أرضها، وتصنع مستقبلها بإرادة أبنائها.
ويحسب للرئيس عبد الفتاح السيسي أنه لم ينظر إلى تطوير القوات المسلحة باعتباره مشروعًا عسكريًا فقط، بل اعتبره جزءًا من مشروع وطني شامل لبناء دولة حديثة، قوية، مستقرة، وقادرة على مواكبة التطورات العالمية في مختلف المجالات.
ويبقى "الأوكتاجون" شاهدًا على أن التخطيط السليم، والإرادة السياسية، والاستثمار في التكنولوجيا، هي مفاتيح بناء المستقبل. كما يظل رمزًا لقوات مسلحة وطنية عريقة، تؤدي رسالتها في حماية الوطن، وتساند جهود التنمية، وتبقى الدرع الحصين الذي يحفظ لمصر أمنها واستقرارها، لتواصل مسيرتها نحو مستقبل أكثر قوة وازدهارًا.
كاتب المقال المستشار محمد سليم عضو المحكمة العربية وعضو اللجنة الدستورية والتشريعية بمجلس النواب السابق والمحامى بالدستورية والنقض

