بوابة الدولة
بوابة الدولة الاخبارية

الدكتورة ميادة محمود تكتب : العدالة بين الجنسين. قصة تنمية تبدأ من الفرص

الد كتورة ميادة محمود
-

في عالم يشهد تحولات اقتصادية واجتماعية متسارعة، لم تعد قضية العدالة بين الجنسين (Gender Equity) مجرد مطلب حقوقي أو اجتماعي، بل أصبحت أحد المحركات الرئيسية لتحقيق التنمية المستدامة (Sustainable Development) وتؤكد التجارب الدولية أن المجتمعات التي تضمن فرصًا عادلة للنساء والرجال تتمتع بمعدلات أعلى من النمو الاقتصادي والاستقرار الاجتماعي والابتكار المؤسسي.

الفرق بين Gender Equity و Gender Equality

كثيرًا ما يتم استخدام المصطلحين بالتبادل، إلا أن هناك فرقًا جوهريًا بينهما. فـ "المساواة بين الجنسين" (Gender Equality) تعني منح الجميع الحقوق والفرص نفسها، بينما تشير "العدالة بين الجنسين" (Gender Equity) إلى توفير الدعم والموارد وفقًا للاحتياجات المختلفة لكل فئة بهدف الوصول إلى نتائج متكافئة.

العدالة بين الجنسين والتنمية المستدامة

اعتمدت الأمم المتحدة الهدف الخامس من أهداف التنمية المستدامة (SDG 5) تحت عنوان "تحقيق المساواة بين الجنسين وتمكين جميع النساء والفتيات". إلا أن تحقيق هذا الهدف لا يقتصر على تمكين المرأة فقط، بل يمتد ليشمل بناء منظومات اقتصادية واجتماعية أكثر عدالة واستدامة.

وفي مصر، تتجسد جهود Gender Equity في عدة مبادرات وسياسات تستهدف زيادة مشاركة المرأة في الحياة الاقتصادية والعامة. فعلى سبيل المثال، أطلقت الدولة الاستراتيجية الوطنية لتمكين المرأة المصرية 2030، كما شهدت السنوات الأخيرة زيادة ملحوظة في تمثيل المرأة داخل البرلمان والمناصب القيادية. كذلك برزت مبادرات لتعزيز Financial Inclusion أو الشمول المالي للمرأة، خاصة في المناطق الريفية، بهدف دعم استقلالها الاقتصادي وتحسين فرصها في الوصول إلى الخدمات المالية.

تمكين أم عدالة؟ لماذا نحتاج إلى Gender Equity اليوم؟

شهد الخطاب التنموي خلال السنوات الأخيرة تحولًا مهمًا من التركيز على "تمكين المرأة" (Women Empowerment) إلى مفهوم أكثر شمولًا يتمثل في "الإدماج الشامل" (Inclusive Development). فالتحدي الحقيقي لا يكمن فقط في زيادة عدد النساء المشاركات في الحياة الاقتصادية أو السياسية، وإنما في إزالة العوائق الهيكلية التي تحد من فرص المشاركة المتكافئة.

ويشمل ذلك تطوير التشريعات، وتعزيز فرص التعليم والتدريب، وتحسين الوصول إلى التمويل، وتوفير بيئات عمل مرنة وآمنة، بالإضافة إلى مكافحة الصور النمطية (Gender Stereotypes) التي ما زالت تؤثر على توزيع الأدوار داخل العديد من المجتمعات.

دور القطاع الخاص في تعزيز Gender Equity

لم تعد مسؤولية تحقيق العدالة بين الجنسين تقع على عاتق الحكومات وحدها، بل أصبح القطاع الخاص شريكًا رئيسيًا في هذا المسار. فالشركات التي تتبنى استراتيجيات واضحة للمساواة والتنوع والشمول لا تحقق أثرًا اجتماعيًا إيجابيًا فحسب، بل تعزز أيضًا قدرتها التنافسية واستدامتها على المدى الطويل.

وتتضمن الممارسات الرائدة في هذا المجال تطبيق سياسات الأجر المتساوي (Equal Pay)، وتكافؤ الفرص في التوظيف والترقي، وبرامج القيادة النسائية (Women Leadership Programs)

نحو مستقبل أكثر عدالة

إن بناء مجتمعات مستدامة يتطلب الانتقال من مرحلة الاعتراف بوجود الفجوات بين الجنسين إلى مرحلة العمل المنهجي لمعالجتها. فالعدالة بين الجنسين ليست قضية تخص النساء فقط، بل هي قضية تنموية واقتصادية وإنسانية تمس المجتمع بأكمله.

وعندما تصبح العدالة بين الجنسين جزءًا أصيلًا من السياسات العامة واستراتيجيات المؤسسات، فإننا لا نحقق فقط تقدمًا في مؤشرات التنمية، بل نؤسس لمستقبل أكثر شمولًا وقدرة على مواجهة التحديات العالمية المتزايدة.

إن تجربة مصر تؤكد أن الاستثمار في المرأة ليس استثمارًا في فئة من المجتمع، بل استثمار في مستقبل الوطن بأكمله، فكلما اتسعت دائرة الفرص العادلة، ازدادت قدرة المجتمع على النمو والابتكار وتحقيق أهداف التنمية المستدامة.

وفي نهاية المطاف، تبقى العدالة بين الجنسين استثمارًا في رأس المال البشري، وأحد أهم الشروط اللازمة لبناء اقتصادات قوية ومجتمعات مزدهرة لا يترك فيها أحد خلف الركب

الكاتبة مدرس الميكروبيولوجى والمناعة مركز بحوث صحة الحيوان

استشارى التغذية العلاجية

باحث فى مجال البيئة التنمية المستدامة