محمود الشاذلى يكتب : الأحزاب كما جاءت فى توجيهات الرئيس رؤيه من العمق .

يقينا .. الأحزاب جميعها فهموا بالمقلوب توجيهات الرئيس فيما يتعلق بأهمية وجود أحزاب قوية وفاعلة لها قواعد جماهيرية حقيقية قادرة على التعبير عن المواطنين ، وذلك بحسن نيه لاشك فى ذلك ، دلالة ذلك مانرصده من تحركات بالشارع منذ توجيهات الرئيس ، حيث يقوم كوادرهم الحزبيه بالقرى والمدن بإلتقاط الصور مع عمال النظافه التابعين لمجالس المدن والأحياء للإيهام أن لهم دور فى التصدى لتراكمات الزباله ، وأنهم هم من يحركونهم ويساعدونهم على نظافة المدن والقرى ، وكذلك إلتقاط الصور مع مهندسى الطرق والفنيين الذين يمهدون الطريق ويعالجون ماإعتراها من خلل مثل المطبات والحفر ، لتصدير أنهم أصحاب هذا الإنجاز الهام ولولاهم ماتم شيئ ، ووصل الأمر إلى قيامهم بدور شيخ الموقف ومساعديه حيث يقوموا بدفع المسافرين لركوب الأتوبيسات ، والسيارات صباحا ، ليس بالقطع بالمجان إنما يدفعها المسافرين طبقا لتعريفة الركوب ، وفور الإنتهاء من أخذ اللقطه ينصرفوا ، وذلك للإيهام أنهم هم من يتصدون لأزمة المواصلات ، وحتى فى شوادر الخضار التى يفتتحها اللواء دكتور علاء عبدالمعطى محافظ الغربيه بالتنسيق مع رؤساء المدن والأحياء ، وإدارة الأسواق بالمحافظه ومديرية التموين للبيع بسعر مخفض للتخفيف على المواطنين حيث ينتشرون بداخلها بما يرتدونه من جاكت مطبوع عليه شعار الحزب للإيهام أنهم هم صانعوها ، وينصرفون عقب إنصراف المحافظ ، تلك التصرفات جميعها تتسم بعدم المعقوليه لأنها تصب فى محاولة إثبات الوجود على غير مردود حقيقى ، وليس الأداء الحقيقى الفاعل والناجز الذى فهمناه من توجيهات الرئيس .
يتعين أن يعى قادة الأحزاب السياسيه ومعاونيهم وجميعا محل تقدير وإحترام أن إكتساب القوه فى الشارع والتأثير الجماهيري أمر رائع ، ومبتغى نبيل ، يتعين أن ندفع به ونعظمه ، لكن يتعين أن ندرك أنه لايتحقق إلا من خلال صياغة برامج واضحة تمس إحتياجات الشارع ، وإمتلاك كوادر جميعهم كفاءه ، وإستخدام آليات تواصل مبتكرة تعزز الثقة ، وهذا لن يتحقق إلا بالتواجد الدائم لقيادات الحزب بين المواطنين عبر العمل الميداني والإجتماعي ، والإستماع المباشر لمشاكلهم ، وإطلاق حملات ومبادرات ملموسة تساهم في تحسين مستوى المعيشة وتخفيف الأعباء ، مما يربط مصداقية الحزب باحتياجات الناس ، والتخلي عن الشعارات الفضفاضة ، وتقديم حلول عمليه للمشاكل ، وتفعيل برامج محددة وقابلة للقياس في مجالات الإقتصاد ، والصحة ، والتعليم ، والخدمات العامة ، والإلتزام بالصدق في طرح الأهداف ، وإخضاع الحزب لـمعايير الشفافية والمساءلة لكسب ثقة الناس ، وإتاحة الفرصة للشباب لتولي مناصب قيادية وصناعة القرار داخل الحزب ، فهم الأكثر قدرة على الإبتكار والتواصل مع الشارع ، وتبني القضايا المجتمعية من خلال طرح القضايا التي تهم الأسرة والشرائح المهمشة لضمان أوسع قاعدة من الدعم الشعبي ، وتوجيه العمل الحزبي عبر أدلة التخطيط المعتمدة للتعامل مع الأزمات ، والتكيف مع المتغيرات السياسية ، وهذا لن يتحقق إلا بالإستعانة بالتخطيط الإستراتيجي ، وإعداد كوادر حزبية قادرة على إدارة الشأن العام وخوض الإنتخابات المحلية والبرلمانية بإحترافية .
يبقى من الأهمية إدراك أن قوة النظام الحزبي وصلابته وفاعليته فى الشارع وتأثيره على واقعنا السياسى لاينطلق من عدد الأحزاب المسجلة رسميا فى السجلات ، وإنما بقدرتها على التأثير فى الشارع والتواجد الحقيقى فى الحياه اليوميه للمواطن ، خاصة مايتعلق بإحتياجاته ، والتصدى لمعاناته ، على أن يتم ذلك وفق رؤيه سياسيه فاعله وليس شعارات ممجوجه لاوجود لها فى الواقع ، وكذلك مدى النجاح فى إعداد القيادات ، والمنافسه الحقيقيه فى خدمة الوطن والمواطن ، دون ذلك لايمكن الإقرار بوجود حياة حزبية حقيقية ، بالمجمل إذا فقدت تلك الأحزاب القدره على إمتلاك قواعد جماهيرية ، وتعمل فى إطار برامج محددة المعالم وواضحه ، لن يكون لها أى تأثير فى الشارع ، كما أن مقرات الأحزاب الفخيمه ليست دليلا على وجود حقيقى لها فى الشارع ، أو تأثير لدى الجماهير ، الخلاصة .. قدرة أى حزب فى التأثير على الرأى العام ، والتناغم مع هموم المواطن وتقديم حلول واقعية لقضايا المواطنين بعيدا عن الشعارات والهتافات والبروباجندا هى من ترسخ له وجود حقيقى بالشارع وسط الناس .
خلاصة القول .. أثمن على أى جهد يقوم به أعضاء الأحزاب يعود بالنفع على المواطنين ، ويبنى كوادر سياسيه واعيه وفاعله ، لكننى أتصور أن يقتصر دورهم على تحديد مناطق الخلل ، ويتولى قادتهم ونوابهم أمر التواصل مع المسئولين للقضاء على هذا الخلل ، ومتابعة التنفيذ مع الجهاز التنفيذى المختص ، والذى يملك الميزانيه التى يتم الإنفاق منها لتصويب الخلل وفق آليات يحددها القانون ، وتخضع لرقابه إداريه وقانونيه ، ولاضير أن يتم نشر مايتم تحقيقه وإبراز دورهم فى القضاء على الأزمات دون إغفال دور المسئولين ، أما الإيهام أنهم هم من يقومون بذلك منفردين بلا تفاصيل عبر اللقطه والشو ، أمر خارج سياق المنطق والعقل ، ويرسخ لعدم المصداقيه .
يبقى أن كل ذلك مرهون تحقيقه بوجود خطوات عمليه لإعادة هيكلة الأحزاب بدافع ذاتى من قياداتها ، وهذا لن يتأتى إلا بإجراء مراجعات يشمل كيانها التنظيمى ، ورؤيتها للقضايا ، وتفاعلها مع الناس ، ويكون العطاء دائم ومستمر كل الوقت وليس وقت الإنتخابات وفقط ، يضاف إلى ذلك إجراء تحديث وتطوير لمنظومتها كاملة من القمه للقاع ، على أن يكون المبتغى إعداد كوادر تحوذ ثقة الناس . والتمسك بوجود أصحاب الخبرات فى كافة التخصصات فاعلين داخل الأحزاب ، أملا أن تكون الأحزاب بيوت خبرة حقيقية ، يعظم دورها وجود متخصصين وخبراء في كافة المجالات خاصة الإقتصاديه ، والتعليم ، والصحة ، والإدارة المحلية ، يتولوا إعداد الدراسات ، وتقديم البدائل لكافة القضايا ، وإن تحقق ذلك لاشك سيكونوا شركاء فى النجاح ، بل وفى صناعة القرار ، كما فى دول عديده حيث تقدم حلولا قابلة للتطبيق ، دون المزايده بمواقف سياسية ، أو إحداث شو إعلامى يبدد أى جهد لعدم مصداقيته .
الكاتب الصحفى محمود الشاذلى نائب رئيس تحرير جريدة الجمهوريه عضو مجلس النواب السابق .

