الكاتب الصحفي محمد طرابيه يكتب : فوضى التعليم في ماسبيرو: من يدفع الفاتورة؟!

من أغرب مظاهر التخبط الإدارى في مؤسسات الدولة ما يحدث في ملف "التعليم" داخل مبنى ماسبيرو.
فبدلًا من أن يكون لدينا منصة قوية واحدة تخدم ملايين الطلاب خاصة غير القادرين، لدينا ثلاث جهات تعمل في نفس الملف بثلاث ميزانيات وبثلاث سياسات والنتيجة واحدة: لا أحد يشاهد ولا أحد يستفيد.
أولى هذه الجهات هي *الإدارة المركزية للبرامج التعليمية* التابعة لقطاع التلفزيون.
هذه الإدارة تنتج محتوى تعليميًا يفترض أنه موجه للطلاب لكنه يذاع في توقيتات عبثية.
تبدأ في السادسة صباحًا على القناة الثانية وتستمر في الفترة الصباحية ثم تعاد في أوقات متأخرة أو على القنوات الإقليمية في فترات منخفضة الكثافة المشاهدية.
والسؤال البديهي: أي طالب سيجلس أمام التلفزيون الساعة 6 صباحًا ليتابع درس علوم؟ وأي أسرة ستتابع برامج تعليمية في منتصف اليوم الدراسي؟
الجهة الثانية هي *قناة مصر للتعليم الفني* التابعة لقطاع القنوات المتخصصة، وتشرف عليها وزارة التربية والتعليم. والقناة رغم أهمية فكرتها محصورة فقط في التعليم الفني.
لا تقدم برامج للمرحلة الابتدائية أو الإعدادية أو الثانوية العامة. وكأن التعليم في مصر هو تعليم فني فقط. والمفارقة أن هذه القناة تمتلك ترددًا وإمكانات بث لكنها تعمل بمعزل عن الإدارة المركزية للبرامج التعليمية، فلا تبادل محتوى ولا تنسيق في الجداول.
أما الجهة الثالثة فهي *الإذاعة التعليمية* التابعة لقطاع الإذاعة. وهي الأخرى تعمل في جزيرة منعزلة. تنتج دروسًا وبرامج توعية لكن بلا ربط مع التلفزيون ولا مع المناهج ولا مع مواعيد الامتحانات وكأن كل قطاع في ماسبيرو قرر أن "يخترع العجلة" من جديد.
هنا يبرز السؤال الأهم: لماذا لا يتم التنسيق بين وزارة التربية والتعليم والهيئة الوطنية للإعلام؟ لماذا لا نضع خطة واحدة، وجدول بث واحد، وإدارة واحدة تشرف على كل هذا المحتوى؟
الحل بسيط وواضح ولا يحتاج عبقرية: دمج كل هذه الجهود في كيان واحد تحت اسم *"قناة مصر التعليمية"* لتكون منصة موحدة للتعليم العام والفني. تخصص فقرات للمراحل المختلفة، وبرامج مراجعات قبل الامتحانات، ودروس تقوية تبث في أوقات الذروة المسائية وليس في الفجر. ويكون للإذاعة التعليمية دور داعم تبث نفس الدروس صوتيًا للطلاب في المواصلات أو في القرى التي لا يصلها الإنترنت.
ما يحدث الآن هو إهدار صريح للمال العام. ندفع رواتب وإنتاج واستوديوهات وفنيين، وفي النهاية المحتوى لا يصل إلى المستهدف.
هذا ليس سوء إدارة فقط هذه "سياسة الجزر المنعزلة" التي تدار بها بعض مؤسسات الدولة، حيث كل قطاع يعمل لنفسه ويبرر وجوده لنفسه والمواطن والطالب هما الخاسران.
التعليم حق، والإعلام أداة وعندما تفشل الأداة في توصيل الحق تصبح عبئًا.
المطلوب قرار سياسي وإداري حاسم: إما إصلاح جذري بتوحيد الجهات تحت مظلة واحدة أو إغلاق هذا الملف بالكامل والتوقف عن إهدار الميزانية في برامج لا يشاهدها أحد.
فهل سنرى قريبًا قناة تعليمية واحدة محترمة تليق باسم مصر؟ أم سنستمر في هذا العبث لسنوات أخرى؟!!.

