الكاتب الصحفي جهاد عبد المنعم. يكتب: سعفان الصغير.. حارس المجد وصانع الأبطال.. الرجل الذي أعاد الهيبة لعرين الفراعنة علي يد أوفه

هناك رجال لا تُقاس قيمتهم بعدد المباريات التي لعبوها، ولا بعدد الكؤوس التي رفعوها، بل بالأثر الذي يتركونه فيمن يأتي بعدهم. ومن هؤلاء يأتي اسم سعفان الصغير، الحارس الذي تحول إلى مدرسة كاملة في فن حماية المرمى، حتى أصبح اسمه اليوم مرتبطًا بأحد أعظم إنجازات الكرة المصرية في كأس العالم 2026.
في مدينة الإسماعيلية، حيث يعشق الناس كرة القدم كما يعشقون النيل، بدأت حكاية طفل دخل قطاع ناشئي الإسماعيلي عام 1979، قبل أن يصعد إلى الفريق الأول وهو في السادسة عشرة فقط، ليبدأ رحلة امتدت نحو خمسة عشر عامًا بين خشبات المرمى، حمل خلالها قميص الدراويش بكل فخر
كان سعفان واحدًا من أبناء الجيل الذهبي الذي أعاد الدوري المصري إلى الإسماعيلية موسم 1990-1991 بعد غياب دام أربعة وعشرين عامًا، ثم ساهم في التتويج بكأس مصر عام 1997، ليكتب اسمه بأحرف من ذهب في تاريخ النادي الذي لم يعرف له بيتًا غيره
ولم تتوقف رحلته عند حدود الإسماعيلي، بل حمل شرف الدفاع عن ألوان منتخب مصر، وانضم إلى صفوف الفراعنة في أكثر من مناسبة، وكان ضمن قائمة كأس الأمم الإفريقية 1992 تحت قيادة الجنرال محمود الجوهري، ثم عاد مع المنتخب في حقبة طه إسماعيل، ليعيش أجواء المنافسات القارية بقميص الوطن
. 
لكن كثيرين يعتقدون أن قصة سعفان الصغير انتهت عندما خلع قفازيه…
والحقيقة أن القصة بدأت من جديد.
بعد الاعتزال، لم يجلس ليروي ذكريات الماضي، بل وقف خلف المرمى يصنع المستقبل. تنقل بين الإسماعيلي والقادسية الكويتي والوحدة السعودي، ثم عمل مع حسام حسن في عدة محطات، حتى جاء التكليف الأكبر بتدريب حراس مرمى منتخب مصر، ليصبح المسؤول الأول عن تجهيز حراس الفراعنة في واحدة من أهم مراحل الكرة المصرية
وفي مونديال 2026، لم يكن سعفان الصغير مجرد عضو في الجهاز الفني…
كان مهندسًا خفيًا لواحد من أبرز نجوم البطولة.
مصطفى شوبير، الذي خطف أنظار العالم بتصدياته أمام كبار المنتخبات، لم يصل إلى هذا المستوى من فراغ. خلف كل قفزة، وكل خروج ناجح، وكل قراءة صحيحة للهجمة، ساعات طويلة من العمل والتدريب والتصحيح، قادها مدرب يؤمن بأن حارس المرمى لا يُولد عظيمًا، بل يُصنع بالاجتهاد والانضباط والثقة.
شوبير لم يقدم بطولة كبيرة فقط، بل أصبح أحد أبرز حراس كأس العالم، وأشاد به خبراء اللعبة ووسائل الإعلام والجماهير، حتى إن المدرب الكبير أحمد ناجي، أحد أساطير تدريب الحراس في مصر، وجّه رسالة علنية إلى سعفان الصغير قال فيها إن المستوى الذي ظهر به مصطفى شوبير “يشهد على جودة عمله كمدرب
في زمن أصبحت فيه الأضواء تذهب غالبًا إلى الهدافين وصناع اللعب، أثبت سعفان الصغير أن هناك أبطالًا يعملون في صمت، يصنعون النجوم دون أن يطلبوا لأنفسهم تصفيقًا.
ولعل أكثر ما يميز هذا الرجل هو شخصيته؛ حماسه، وانفعاله، وغيرته على قميص المنتخب. ظهر ذلك بوضوح خلال مشوار الفراعنة في كأس العالم، عندما عاش كل دقيقة وكأنها آخر دقيقة في حياته الكروية، حتى اعترف بنفسه بعد مباراة الأرجنتين أنه لم يستطع السيطرة على مشاعره بسبب حجم الضغط والرغبة في إسعاد ملايين المصريين
.
قد يتذكر البعض سعفان الصغير باعتباره حارسًا كبيرًا للإسماعيلي…
لكن جيلًا جديدًا سيتذكره باعتباره الرجل الذي صنع جيلاً جديدًا من حراس المرمى.

سيظل اسمه حاضرًا في تاريخ الدراويش، وسيبقى محفورًا في ذاكرة المنتخب المصري، ليس فقط لأنه وقف يومًا بين القائمين، بل لأنه وقف خلف أجيال كاملة، يصنع الثقة، ويزرع الشجاعة، ويؤمن أن حارس المرمى العظيم يبدأ دائمًا بمدرب عظيم.
تحية لسعفان الصغير… الحارس الذي حمى المرمى لاعبًا، وحمى مستقبل حراسة المرمى المصرية مدربًا


