الكاتب الصحفي محمد طرابيه يكتب : ” ماسبيرو ” بين التطوير الرقمي والحفاظ على المبنى التراثى

بداية نتوجه بخالص التحية والتقدير لتوجيهات الرئيس عبد الفتاح السيسي رئيس الجمهورية بالإعلان عن مشروع رقمنة مكتبة ماسبيرو، وهو مشروع وطني استراتيجي يهدف إلى أرشفة وحفظ تراث الإذاعة والتلفزيون المصري الذي يمثل جزءاً أصيلاً من الوجدان العربي.
إن استعراض الموقف التنفيذي للمشروع والذي يشمل توثيق ورقمنة نحو مليون شريط صوتي ومرئي بإجمالي 800 ألف ساعة من المحتوى، وتحويلها إلى صيغ رقمية عالية الجودة، يعد خطوة بالغة الأهمية للحفاظ على أصولنا الثقافية والإعلامية.
فماسبيرو لم يكن مجرد مبنى للبث بل كان مصنعاً للوعي وصانعاً للذاكرة الجمعية للمصريين والعرب على مدار أكثر من ستة عقود.
ويكتسب المشروع أهميته من اعتماده على أحدث التقنيات والذكاء الاصطناعي في إنشاء قواعد بيانات رقمية مؤمنة ومفهرسة، بما يسهل عملية الحفظ والاسترجاع وإدارة المحتوى بكفاءة.
كما أن توجيهات الرئيس بتحديث استوديوهات ماسبيرو والبنية التكنولوجية، ودعم مبادرة "الرقمية أولاً" ومنصة ماسبيرو، تعكس إدراكاً عميقاً بضرورة مواكبة الإعلام الوطني لمتغيرات العصر، والانتقال من الإعلام التقليدي إلى الإعلام الرقمي التفاعلي القادر على المنافسة.
إن رقمنة هذا التراث الضخم لا تعني الحفاظ عليه من التلف والضياع فحسب، بل تعني أيضاً إتاحته للباحثين والدارسين والأجيال الجديدة، وتوظيفه في صناعة محتوى جديد يستلهم من الماضي ويبني عليه الحاضر. وهو ما يجعل من المشروع جسراً بين أصالة الماضي وطموحات المستقبل.
ولكن، ومع تقديرنا الكامل لهذا التوجه الرئاسي الطموح، فإننا نرى أنه من الضروري النظر إلى الجانب الآخر من المعادلة، ألا وهو المبنى نفسه. فمبنى الإذاعة والتلفزيون بماسبيرو ليس مجرد هيكل خرساني، بل هو أيقونة معمارية وإعلامية وتاريخية. شهد على أهم اللحظات في تاريخ مصر الحديث، وخرجت من استوديوهاته أصوات وأسماء شكلت ملامح الثقافة المصرية والعربية.
ومن المؤسف القول ان المبنى يعاني منذ سنوات من نقص حاد في أعمال الصيانة الدورية، وظهور تسربات في الحمامات، وتدهور في بعض المرافق الخدمية، مما يهدد سلامة العاملين ويؤثر على بيئة العمل، بل ويشكل خطراً على سلامة المبنى التراثي ذاته.
إن الحفاظ على المحتوى الرقمي لا يمكن فصله عن الحفاظ على الوعاء الذي احتضنه.
فمن غير المنطقي أن نحتفي بمشروع لحفظ تراث عمره 60 عاماً، بينما نترك المبنى الذي صنع هذا التراث يتعرض لعوامل الإهمال والتقادم.
لذلك، فإننا نطالب الجهات المعنية والهيئة الوطنية للإعلام بوضع خطة عاجلة وشاملة لترميم وصيانة مبنى ماسبيرو، بما يليق بمكانته التاريخية، وبما يضمن الحفاظ عليه كمعلم تراثي. يمكن أن تشمل الخطة إعادة تأهيل البنية التحتية، ومعالجة مشكلات الصرف والكهرباء، وترميم الواجهات، مع الحفاظ على الطابع المعماري الأصيل للمبنى.
إن الاستثمار في الإنسان والتكنولوجيا يجب أن يقترن بالاستثمار في المكان. فماسبيرو يستحق أن يظل شامخاً بصورته ومحتواه معاً.
وإذا كان المشروع الرقمي يضمن بقاء صوت ماسبيرو للأبد، فإن صيانة المبنى تضمن بقاء هيبته ومكانته في قلب القاهرة.
نحن على ثقة بأن توجيهات القيادة السياسية لا تقتصر على جانب دون آخر، وأن مشروع الرقمنة سيكون بداية لخطة متكاملة لإحياء ماسبيرو، مبنى ومحتوى، حتى يعود كما كان منارة للإعلام المصري والعربي.

