بوابة الدولة
بوابة الدولة الاخبارية

المستشار محمد عطية يكتب: الضرائب العقارية 2026.. عندما تلتقي العدالة الاجتماعية مع حق الدولة

المستشار محمد عطية
-

منذ سنوات، ظلت الضرائب العقارية واحدة من أكثر الملفات التي أثارت جدلًا بين المواطنين، باعتبارها تمس أحد أهم الأصول التي يمتلكها المصريون، وهو المسكن. وبين احتياجات الدولة إلى تنمية مواردها المالية، وحق المواطن في نظام ضريبي عادل يراعي ظروفه الاقتصادية، جاءت تعديلات الضرائب العقارية لعام 2026 لتقدم رؤية مختلفة، تقوم على تحقيق التوازن بدلًا من الصدام، والشراكة بدلًا من الجباية. 

الضريبة العقارية ليست مجرد مورد مالي يضاف إلى خزينة الدولة، وإنما تمثل أداة اقتصادية وتنموية تسهم في تطوير المحافظات، وتحسين الخدمات العامة، وتنظيم السوق العقارية، والحد من المضاربات التي تعطل حركة الاستثمار والإنتاج. ومن هذا المنطلق، فإن نجاح أي تشريع ضريبي لا يقاس بحجم الحصيلة فقط، وإنما بقدرته على تحقيق العدالة، وتعزيز الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة. 

ولعل ما يميز تعديلات عام 2026 أنها جاءت استجابة مباشرة للمتغيرات الاقتصادية وارتفاع معدلات التضخم، حيث أدرك المشرع أن استمرار تطبيق القواعد القديمة لم يعد يتناسب مع الواقع المعيشي، وأن حماية محدودي ومتوسطي الدخل أصبحت ضرورة تشريعية لا تقل أهمية عن الحفاظ على موارد الدولة، فكان الاتجاه نحو تخفيف الأعباء وإرساء قدر أكبر من المرونة في التطبيق. 

وتتجسد هذه الفلسفة بوضوح في رفع حد الإعفاء الضريبي للوحدة السكنية الرئيسية، بما يعفي ملايين الأسر من تحمل الضريبة، إلى جانب إلغاء الطعون الحكومية على المراكز القانونية المستقرة، وإتاحة التصالح بشروط ميسرة، والتوسع في التحول الرقمي من خلال الإقرارات الإلكترونية الموحدة، فضلًا عن استحداث قواعد تراعي الظروف الاستثنائية والقوة القاهرة، بما يعكس انتقالًا من فلسفة العقاب إلى فلسفة التيسير والتحفيز. 

إن الرسالة الأهم التي تحملها هذه التعديلات هي أن الدولة لم تعد تنظر إلى الممول باعتباره طرفًا في مواجهة، بل شريكًا في عملية التنمية. فكلما شعر المواطن بالعدالة والشفافية، زادت درجة التزامه الطوعي، وتعززت الثقة المتبادلة، وهو ما ينعكس في النهاية على زيادة الحصيلة الضريبية وتحقيق التنمية المستدامة دون الإضرار بالبعد الاجتماعي. 

ويبقى أن تجربة تعديلات الضرائب العقارية لعام 2026 تقدم نموذجًا مهمًا لكيفية صياغة تشريعات تراعي الواقع الاقتصادي والاجتماعي في آن واحد، وتؤكد أن تحقيق مصالح الدولة لا يتعارض مع حماية المواطن، بل إن نجاح أي سياسة مالية يبدأ من بناء جسور الثقة بين الطرفين، وهي الرسالة التي حملتها هذه التعديلات بوضوح.