بوابة الدولة
بوابة الدولة الاخبارية

خسار الذات بالاقساط

دكتور فؤاد منير
-

ثمة خسارات لا تقع دفعة واحدة، ولا يسمع لها أحد صوتًا، ولا تترك وراءها مشهدًا دراميًا يصلح للرثاء. هي خسارات بطيئة، هادئة، أقرب إلى التآكل منها إلى الانهيار، وأشدها قسوة تلك التي تصيب الإنسان في علاقته بنفسه. فالمرء لا يبيع ذاته في صفقة واحدة، ولا يستيقظ صباحًا ليقرر أن يتخلى عن قناعاته وكرامته ومضمونه الداخلي. ما يحدث، في الأغلب، أقل صخبًا وأكثر خداعًا: يبدأ الأمر بتنازل صغير لا يلفت الانتباه، بصمت في لحظة كان الكلام فيها واجبًا، بمجاملة عابرة جرى دفع ثمنها من رصيد الصدق، أو بقبول أمر لا يرضاه الضمير تحت ضغط الحاجة أو الخوف أو الرغبة في تجنب الخسارة.

في البداية، يبدو كل شيء معقولًا. يقنع الإنسان نفسه بأنه لم يفعل سوى ما يفعله العقلاء، وأنه لم يتخل عن شيء جوهري، بل أجّل اعتراضه، وخفف حدته، واختار الطريق الأقل كلفة. غير أن النفس لا تتغير فقط بالقرارات الكبرى، بل بما تعتاده من تفاصيل صغيرة. وما نقبله مرة على مضض، قد نقبله في المرة التالية بمرونة أكبر، ثم لا نلبث أن نمنحه اسمًا أجمل حتى لا يبدو جارحًا لصورتنا عن أنفسنا. وهكذا تبدأ اللغة نفسها في التواطؤ مع التنازل: لا يعود الصمت خوفًا، بل حكمة، ولا تصبح المجاملة تنازلًا، بل لباقة، ولا يغدو التراجع عن الموقف تفريطًا، بل فهمًا للواقع.

وهنا تكمن الحيلة الأخطر. فالإنسان لا يسقط غالبًا حين يفعل ما يخالف ضميره مرة، بل حين يتوقف عن الشعور بوطأة ذلك الفعل. في المرة الأولى، يتألم. في الثانية، يبرر. وفي الثالثة، يخف الألم لأن التبرير صار أسرع من الندم. وبعد ذلك، لا يعود الأمر محتاجًا إلى صراع داخلي كبير؛ إذ يصبح ما كان استثناءً جزءًا من نمط السلوك، ويصبح ما كان مرفوضًا بالأمس أقل استفزازًا اليوم، ثم أقل وضوحًا غدًا، حتى يستقر أخيرًا في الحياة الداخلية للمرء بوصفه أمرًا عاديًا لا يستحق التوقف عنده.

ليست هذه مبالغة أخلاقية، بل وصف دقيق للطريقة التي يتبدل بها الإنسان دون أن ينتبه. فالتغير الجذري نادرًا ما يأتي في هيئة إعلان واضح، وإنما يتسلل من الثغرات الصغيرة التي نسمح بها لأنفسنا كل يوم. كلمة حق لا تُقال لأن الوقت غير مناسب. اعتراض مشروع يُبتلع لأن الثمن مرتفع. رأي صادق يُخفف حتى لا يزعج أحدًا. ثم تتكرر هذه اللحظات حتى لا تعود لحظات، بل تصير أسلوبًا في التعامل مع العالم، وأسلوبًا في التعامل مع الذات أيضًا. عندها لا يكون الإنسان قد اختار صورته الجديدة بملء وعيه، لكنه يكون قد سمح لها أن تتكون على مهل، تنازلًا بعد تنازل، وتفسيرًا بعد تفسير، وصمتًا بعد صمت.

ولأن الحياة ليست مثالية، فإن الإنصاف يقتضي القول إن المرونة ضرورة، وإن العيش بين الناس لا يحتمل صلابة مطلقة، ولا مواجهة دائمة، ولا بطولة يومية. لكن هذا صحيح فقط ما دام الإنسان قادرًا على التمييز بين المرونة التي تحفظ الجوهر، والتنازل الذي يبدده. هناك فرق شاسع بين أن تغيّر طريقة التعبير عن موقفك، وبين أن تتخلى عن الموقف نفسه. فرق بين أن تؤجل الكلمة، وبين أن تقتلها. فرق بين أن تراعي الناس، وبين أن تمحو نفسك حتى لا ينزعجوا. هذا الحد الدقيق هو ما يصنع الفارق بين النضج وبين الذوبان، بين الحكمة وبين الخسارة المؤجلة.

إن أكثر ما يوجع في هذا المسار أن نهايته لا تأتي في صورة فضيحة كبيرة أو سقوط علني يوقظ صاحبه من غفلته. النهاية، في كثير من الأحيان، أكثر هدوءًا من البداية. لحظة عابرة يقف فيها الإنسان أمام نفسه، فيشعر أن شيئًا ما لم يعد في مكانه. قد يكون ناجحًا، حاضرًا، مقبولًا، متماسكًا في نظر الآخرين، لكنه يشعر في داخله بمسافة خفية اتسعت بينه وبين صورته الأولى. يرى ملامحه كما هي، لكن المعنى الذي كان يملأها لم يعد حاضرًا بالقوة نفسها. وهذا هو الوجه الأكثر إيلامًا للخسارة: أن يبقى الشكل قائمًا بينما ينسحب المضمون بصمت.

لهذا لا تبدأ حماية الذات من المواقف الكبرى، بل من تلك التفاصيل التي نحتقرها لأنها صغيرة. من الكلمة التي لا يجب أن تُدفن في الحلق كلما حضرت الحقيقة. من المجاملة التي ينبغي أن تعرف حدها حتى لا تتحول إلى خيانة مهذبة للنفس. من الرفض الذي يحفظ للإنسان احترامه لذاته قبل أن يحفظ له صورته أمام الناس. فالمشكلة ليست في التنازل الواحد، بل في الأثر الذي يتركه إذا فتح الباب لما بعده. وما يراه الإنسان اليوم مجرد انحناءة عابرة، قد يكتشف غدًا أنه كان بداية طريق طويل ابتعد فيه عن نفسه أكثر مما كان يظن.

ليست الذات شيئًا نفقده فجأة، بل شيئًا قد يتآكل كل يوم إذا لم نحرسه. ولهذا فإن أخطر ما يمكن أن يعتاده الإنسان ليس الضعف، بل تبرير الضعف، وليس الخطأ، بل الألفة مع الخطأ، وليس الصمت، بل أن يتحول الصمت إلى طريقة حياة. عندها فقط لا يكون قد خسر موقفًا أو تنازل عن رأي، بل يكون قد دخل، من حيث لا يدري، في صفقة طويلة باع فيها نفسه على أقساط.