بوابة الدولة
بوابة الدولة الاخبارية

الأهلي.. عندما يتحول النجاح إلى مسؤولية.. سعد شلبي يكشف ما وراء الستار: «قطار النفقات» لا يتوقف

الدكتور سعد شلبي
إيمي سراج الدين -

لم يكن حديث الدكتور سعد شلبي، المدير التنفيذي للنادي الأهلي، مجرد كشفٍ لأرقام مالية أو استعراضٍ لحجم الإنفاق داخل القلعة الحمراء، وإنما كان بمثابة وضع النقاط فوق الحروف  أمام كل من ينظر إلى الأهلي من زاوية الإيرادات فقط، دون أن يرى في المقابل حجم المسؤوليات والإلتزامات التي تتحملها واحدة من أكبر المؤسسات الرياضية في مصر وإفريقيا.

فخلف اسم الأهلي الكبير، وعلامته التجارية الأقوى، وجماهيره التي صنعت جزءًا أساسيًا من هذه القوة، توجد منظومة هائلة تحتاج إلى إدارة مالية لا تعرف التوقف؛ وهو ما عبر عنه سعد شلبي بوضوح عندما تحدث عن«قطار النفقات»، ذلك القطار الذي لا يتوقف، والذي سبق أن أطاح بأندية صاحبة تاريخ عندما تجاوز إنفاقها إيراداتها. 

وهنا تحديدًا تكمن أهمية حديث المدير التنفيذي للأهلي؛ لأنه ينقل الصورة من مجرد «كم يملك الأهلي؟» إلى السؤال الأهم: «كم يحتاج الأهلي ليستمر بهذا الحجم وهذه المكانة؟»

248 فدانًا..و4 فروع.. ومنظومة تشغيل ليست بسيطة

الأهلي اليوم ليس فريق كرة قدم فقط.

أربعة فروع تمتد على مساحة تصل إلى 248 فدانًا، و14 حمام سباحة، و11 صالة مغطاة، ومنشآت رياضية ضخمة، وأجهزة تكييف مركزية، وصيانة وتشغيل وخدمات يومية لمئات الآلاف من الأسر.

وللتدليل على حجم التفاصيل التي تدخل في فاتورة التشغيل، كشف شلبي أن حمامات السباحة تستهلك نحو26 طنًا من الصودا، بينما قد تصل تكلفة تغيير أحد أجهزة التكييف المركزي في الصالات إلى29 مليون جنيه

أرقام قد تبدو صادمة لمن ينظر إلى النادي باعتباره مجرد ملعب وفريق، لكنها تصبح أكثر منطقية عندما ندرك أننا أمام مؤسسة رياضية متكاملة تعمل على مدار الساعة.

6293 موظفًا.. و 80 مليون جنيه رواتب كل شهر 

من أبرز الأرقام التي كشف عنها الدكتور سعد شلبي أن عدد العاملين والمدربين والإداريين والعمال داخل الأهلي يصل إلى6293 شخصًا، بإجمالي رواتب شهرية يقارب 80 مليون جنيه.

وهنا لا نتحدث عن رفاهية أو إنفاق يمكن تأجيله، وإنما عن التزام شهري ثابت يجب الوفاء به في موعده.

وأكد شلبي أن مستحقات العاملين والمدربين واللاعبين يتم صرفها في موعدها، وأن رواتب الشهر تكون موجودة في البنوك يوم 26، وهي نقطة شديدة الأهمية في تقييم الإدارة المالية لأي مؤسسة. 

فالنجاح الحقيقي لأي كيان لا يقاس فقط بعدد البطولات التي يحققها، وإنما أيضًا بقدرته على الوفاء بالتزاماته دون أن يتحول النجاح الرياضي إلى أزمة مالية مستقبلية .

670 مليون جنيه للنشاط الرياضي.. مقابل 103 ملايين إيرادات

ربما كان هذا الرقم هو الأكثر وضوحًا في كشف حجم المسؤولية.

ميزانية النشاط الرياضي في الموسم الماضي وصلت إلى نحو670 مليون جنيه، بينما لم تتجاوز إيرادات النشاط 103 ملايين جنيه.

أي أن هناك فجوة مالية ضخمة تتحملها إدارة النادي حتى يستمر النشاط الرياضي بمختلف ألعابه، وليس كرة القدم وحدها. 

وهنا تظهر قيمة القرار الإداري؛ لأن الأهلي لا يدير لعبة واحدة، وإنما منظومة رياضية كاملة تضم ألعابًا جماعية وفردية وفرقًا ناشئة وقطاعات عمرية وأجهزة فنية ومعسكرات ومشاركات محلية وقارية ودولية.

الأهلي يدفع ثمن تمثيله لمصر وإفريقيا

من النقاط التي تستحق التوقف أمامها حديث شلبي عن المعسكرات الخارجية والبطولات القارية.

فريق كرة اليد يتجه إلى البوسنة، ثم بطولة ودية في روسيا، وفريق كرة القدم يقيم معسكرًا في إسبانيا، إلى جانب استضافة البطولات الإفريقية وما يرتبط بها من تجهيزات وتكاليف.

ولم يخفِ المدير التنفيذي أن بعض البطولات الإفريقية لا تحقق أرباحًا مباشرة، لكنه وضعها في المسؤولية الوطنية ودور الأهلي تجاه الرياضة المصرية والقارة الإفريقية.

وهذه نقطة في غاية الأهمية؛ لأن هناك فارقًا بين الإنفاق من أجل الاستهلاك، والإنفاق من أجل الحفاظ على مكانة مؤسسة تمثل مصر في المحافل الدولية.

حتى صالة عبد الله الفيصل لها قصة

تغيير أرضية صالة الأمير عبدالله الفيصل استعدادًا لاستضافة بطولة إفريقيا لكرة اليد كان نموذجًا آخر قدمه شلبي لتوضيح حجم المصروفات التي لا يراها الجمهور.

فالبطولة التي يشاهدها المشجع لساعات، قد تقف خلفها أعمال وتجهيزات وصيانة واستثمارات بملايين الجنيهات قبل أن تبدأ صافرة البداية. 

وهنا يصبح السؤال الحقيقي:

هل كل ما ينفقه الأهلي يظهر في جدول الإيرادات؟

الإجابة بالتأكيد: لا.

الشركات.. ليست رفاهية و إنما ذراع استثماري 

ومن أهم ما كشفه الحوار أيضًا فلسفة الأهلي في إنشاء الشركات التابعة.

فبحسب شلبي، الهدف من هذه الشركات هو أن تكون أذرعًا استثمارية للنادي تساعده على توفير موارد مالية جديدة والوفاء بالتزاماته، في ظل ارتفاع تكلفة التشغيل والنشاط الرياضي. 

وهذه الرؤية تعكس تحولًا مهمًا في مفهوم إدارة الأندية الرياضية؛ فالنادي الكبير في العصر الحديث لا يستطيع أن يعيش فقط على الاشتراكات والرعاية وعوائد المباريات.

بل يحتاج إلى أصول استثمارية ومصادر دخل متعددة ومستدامة.

والأهلي، بحكم جماهيريته وقوة علامته التجارية، يمتلك المقومات التي تسمح له ببناء هذا النموذج إذا تمت إدارته بالشكل الصحيح.

227 ألف أسرة.. مسؤولية تتجاوز فكرة النادي

كشف شلبي عن وجود نحو 227 ألف أسرة تستخدم خدمات الأهلي، وبمتوسط أربعة أفراد للأسرة، بما يعني قاعدة مستفيدين تقترب من مليون شخص.

وهذا الرقم وحده يكشف لماذا لا يمكن التعامل مع قرارات الأهلي المالية بمنطق «نادي كرة قدم».

نحن أمام مجتمع رياضي متكامل، له احتياجات يومية من خدمات وصيانة وأمن ونظافة ومنشآت ورياضيين وأجهزة فنية وإدارية. 

والأهم أن الإدارة، بحسب ما أكده شلبي، تسعى إلى عدم تحميل الأعضاء أعباء مالية إضافية رغم ارتفاع تكلفة التشغيل.

لا ديون.. لا غرامات.. ولا تحميل للأعضاء

ربما تكون الرسالة الأهم في الحوار كله هي تلك المتعلقة بالاستقرار المالي.

فالأهلي، كما أوضح مديره التنفيذي، لا يريد اتباع سياسة «الأموال التي تأتي ننفقها»، ثم يجد نفسه أمام دوامة من الديون وغرامات التأخير والفوائد.

بل يسعى إلى توفير موارده باستمرار حتى يستطيع الوفاء بالتزاماته، بما فيها مستحقات الدولة. 

وهذه ليست مجرد إدارة حسابات، وإنما إدارة للمخاطر.

فالمؤسسة الناجحة ليست التي تنفق أكثر، وإنما التي تعرف متى تنفق، ومن أين تأتي بالأموال، وكيف تحافظ على استدامة الإنفاق .

وفي الملعب.. الطموح لم يتغير

وسط كل هذه الأرقام، لم يغفل الحوار الجانب الرياضي.

فالأهلي يستعد للمنافسة في الكونفدرالية الإفريقية بكل جدية، مع التأكيد على أن البطولة ليست بديلًا تجميليًا عن دوري أبطال إفريقيا، وإنما لها قيمتها ونقاطها في سباق لقب نادي القرن، مع بقاء الهدف الأساسي هو العودة إلى دوري أبطال إفريقيا.

كما كشف شلبي عن ضم 4 لاعبين جدد  للفريق الأول، مع وجود تحركات أخرى وفقًا للاحتياجات الفنية. 

أي أن المعادلة واضحة:

إدارة مالية تحاول ضبط النفقات.. وإدارة رياضية تبحث عن البطولات

وهذه هي المعادلة الأصعب في كرة القدم الحديثة.

كلمة أخيرة للدكتور سعد شلبي

دكتور سعد شلبي..

قد يختلف البعض مع الإدارة في بعض القرارات، وقد يختلف آخرون حول الأولويات، وهذا طبيعي في مؤسسة بحجم الأهلي.

لكن ما يستحق التقدير في حديثكم الأخير هو وضع الأرقام أمام الرأي العام، ومحاولة تقديم صورة مختلفة عن الأهلي الذي يراه البعض فقط من خلال إيراداته، بينما لا يرون حجم الالتزامات التي تقف خلف كل منشأة وكل لاعب وكل بطولة وكل موظف.

الأهلي ليس مجرد فريق يفوز ببطولة ثم ينتهي الأمر.

الأهلي مؤسسة ضخمة.. والنجاح فيها مسؤولية يومية.

وأن تحافظ على رواتب أكثر من ستة آلاف شخص، وتدير أربعة فروع، وتشغل هذا الكم من المنشآت، وتنفق على مختلف الألعاب، وتستضيف البطولات، وتسافر بالفرق إلى الخارج، وتدعم الأبطال، وتحافظ في الوقت نفسه على الالتزامات المالية وتبحث عن موارد جديدة دون إرهاق الأعضاء بالزيادات.. فهذه معادلة تحتاج إلى إدارة واعية تعرف أن الحفاظ على القمة أصعب كثير ًا من الوصول إليها.

ومن هنا، فإن حديث سعد شلبي لم يكن مجرد كشف حساب...

بل كان كشفًا لحجم المسؤولية التي تقع خلف اسم «الأهلي».

فالنجاح الحقيقي ليس أن تملك المال فقط،

بل أن تعرف كيف تديره.. وكيف تحوله إلى استقرار.. وبطولات.. واستدامة.

تحية تقدير لكل من يعمل من أجل أن يظل اسم الأهلي كبيرًا.. داخل مصر وخارجها. 🇪🇬🦅