بوابة الدولة
بوابة الدولة الاخبارية

النائب أحمد قورة يكتب : بعض الخسائر مكاسب

النائب احمد قورة
-

في الحياة أبواب كثيرة نطرقها ونحن نظن ان سعادتنا خلفها، ونبذل من اجل فتحها سنوات من الانتظار، وقلوبا من الرجاء، واحيانا نخسر من انفسنا اكثر مما نخسر من الاشياء، ثم ياتي الوقت الذي نكتشف فيه ان الباب الذي اغلق في وجوهنا لم يكن بابا للحرمان، وانما كان بابا للحماية، وان ما حسبناه خسارة كان في الحقيقة نجاة، وما ظنناه نهاية كان بداية لطريق اكثر رحابة واملا.

لا تحزن على مال ذهب، فكل مال تخسره يمكن ان يعود، او يعوضك الله عنه بما هو افضل، وما دام الانسان يملك الصحة والعزيمة والقدرة على السعي، فان ابواب الرزق لا تنتهي، المال وسيلة وليس غاية، ومن جعل قلبه معلقا بما في يده عاش خائفا من فقدانه، اما من جعل ثقته فيما عند الله عاش مطمئنا، لانه يعلم ان الارزاق مقسومة، وان ما كتبه الله لك لن ياخذه غيرك،

ولا تحزن على جاه او سلطان او منصب فقدته، فالمنصب عابر، والكرسي لا يدوم لاحد، والتاريخ مليء باشخاص ظنوا ان السلطة ستبقى لهم، فاذا بها تنتهي في لحظة، وربما كان المنصب الذي فقدته هو الذي خسرك، لان الانسان بقيمته واخلاقه وعمله، وليس بالكرسي الذي يجلس عليه، فاذا بقيت كرامتك، وحافظت على مبادئك، وخرجت من موقعك مرفوع الراس، فانت لم تخسر شيئا يستحق الحزن،

ومن اجمل ما يقال في هذا المعنى ما نسب الى الامام علي بن ابي طالب رضي الله عنه، لا تاسوا على ما فاتكم، ولا تفرحوا بما اتاكم، وهي رسالة عظيمة الى الانسان حتى لا يجعل قلبه اسيرا للماضي، ولا مستعبدا لما يملك في الحاضر، وانما يعيش متوازنا، شاكرا في الرخاء، صابرا في الشدة، مؤمنا بان الايام دول، وان الدنيا لا تستقر على حال،

اما الانسان الذي خرج من حياتك دون ان تؤذيه، ودون ان تظلمه، ودون ان تكون سببا في ابتعاده، فلا تطارد غيابه، ولا تهدر كرامتك بحثا عنه، بعض العلاقات تنتهي لان دورها انتهى، وبعض الاشخاص يرحلون لان وجودهم لم يعد خيرا لك، وليس كل فراق عقوبة، وليس كل ابتعاد خسارة، احيانا يكون الفراق هو الطريقة التي ينقذك بها الله من طريق لم يكن مناسبا لك،

وقد اشتهر عن الامام الشافعي قوله، دع الايام تفعل ما تشاء، وطب نفسا اذا حكم القضاء، وهي كلمات تحمل منهجا كاملا في التعامل مع الحياة، فلا تقاوم كل شيء، ولا تحاول ان تفرض ارادتك على كل الاحداث، لان هناك امورا لا تملك تغييرها، ولكنك تملك ان تختار كيف تواجهها،

وحين يغلق الله امامك بابا، فلا تقف طوال عمرك امامه محاولا كسره او فتحه بالقوة، ربما كان وراء هذا الباب تعب لم تره، او خسارة لم تعرفها، او طريق لم يكن يحمل لك الخير، يقول الله تعالى، وعسى ان تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى ان تحبوا شيئا وهو شر لكم والله يعلم وانتم لا تعلمون،

وهنا تأتي واحدة من اعظم رسائل الشيخ محمد متولي الشعراوي رحمه الله في فهم الابتلاء والقدر، فالانسان يرى اللحظة، بينما الله سبحانه وتعالى يعلم الطريق كله، نحن نحكم على الاحداث من موقعنا المحدود، اما علم الله سبحانه وتعالى فمحيط بالبدايات والنهايات، ولذلك قد يمنع عنك شيئا تحبه لانه يعلم ان فيه اذى لك، وقد يؤخر عنك امرا لان موعده لم يحن بعد،

وكان الدكتور مصطفى محمود رحمه الله من اكثر من تناولوا معنى الابتلاء والبحث عن الحكمة خلف الاحداث، فالحياة عنده ليست طريقا مفروشا بالراحة، وانما رحلة يتعلم فيها الانسان من الالم كما يتعلم من الفرح، ومن الخسارة كما يتعلم من المكسب، ولذلك لا ينبغي ان نسأل دائما، لماذا حدث هذا لي، وانما يمكن ان نسأل، ماذا يريد الله ان يعلمني من خلاله،

وحتى في لحظات الاختلاف والفراق، تبقى المحبة الانسانية اوسع من الخلاف، ومن المعاني الجميلة التي عبر عنها قداسة البابا تواضروس الثاني، ان المحبة الحقيقية لا تقوم على المصلحة، وان الانسان مطالب بان يحافظ على قلبه نقيا مهما تغيرت الظروف من حوله، فلا تجعل خسارتك لانسان سببا في خسارتك لاخلاقك، ولا تجعل اساءة احد اليك تدفعك الى ان تصبح نسخة منه،

وهنا تكشف المواقف وجوه الناس، لكنها لا تكشف وجوههم فقط، بل تكشف حقيقتهم التي اخفوها طويلا خلف اقنعة الود والمصلحة، فلا تحزن على طعنة كانت سببا في خسارتك لبعض الاشخاص، فقد تكون تلك الطعنة اعظم مكسب حصلت عليه، لانها اسقطت الاقنعة، وكشفت لك من كان قريبا منك لمصلحة، ومن كان يبتسم لك وفي داخله الف حساب،

ومن باعك اليوم من اجل مصلحة، سيبيع غيرك غدا، وسيبيع اقرب المقربين اليه عندما تنتهي المصلحة، فهذه ليست خيانة عابرة، بل سلوك يكشف طبيعة العلاقة، فالانسان الذي يجعل المصلحة ميزانا لعلاقاته، لا يمكن ان يمنح الوفاء قيمة حقيقية، ولا يمكن ان تكون علاقاته قائمة على الثقة والمحبة الصادقة،

فلا تاسف على من اختار ان يخسرك، ولا تركض خلف من طعنك، ولا تحاول استرداد من اثبت لك ان وجودك في حياته كان مرتبطا بما تقدمه له، دعهم يذهبون حيث تذهب مصالحهم، ودع الايام تكشف لهم ما فعلوه بغيرهم كما كشفت لك ما فعلوه بك،

واقسى ما يمكن ان تفعله بمن خانك هو الا تنتقم منه، والا تكرهه، والا تلتفت اليه، بل ان تعرف حقيقته، ثم تخرجه من حساباتك بهدوء، فالانتقام يستهلك صاحبه، اما التجاهل الواعي فيمنحك راحة القلب، ويجعلك اكثر قدرة على مواصلة حياتك دون ان تحمل في داخلك اعباء الماضي،

بعض الخسائر ليست خسارة اشخاص، بل ربح معرفة حقيقتهم قبل ان تدفع ثمنا اكبر، وبعض الطعنات لا تهزمك، بل توقظك، وبعض الصدمات لا تكسر قلبك، بل تعلمك كيف تختار من يستحق ان يدخل اليه،

الحياة تعلمنا ان بعض الخسائر مكاسب مؤجلة، وبعض التاخيرات حماية، وبعض النهايات بدايات جديدة، وبعض الابواب المغلقة رحمة لا نعرفها الا بعد سنوات،

فلا تحزن كثيرا على ما ذهب، ولا تقف طويلا امام ما انتهى، ولا تستهلك عمرك في سؤال، لماذا لم يحدث ما تمنيت، ربما لان الله كان يعد لك ما هو افضل،

واذا خسرت مالا، فاسع الى تعويضه، واذا خسرت منصبا، فاحفظ كرامتك، واذا خسرت انسانا دون ان تظلمه، فاتركه بسلام، واذا اغلق الله بابا، فاشكره، ثم انظر حولك، فقد يكون امامك باب اخر لم تلتفت اليه بعد،

اجعل قلبك دائما معلقا بالامل، واجعل يقينك بالله اكبر من خوفك من المستقبل، لا تجعل تجربة مؤلمة واحدة تحكم على حياتك كلها، ولا تجعل شخصا غاب عنك يقنعك بان الحياة انتهت، الحياة مستمرة، والايام تحمل مفاجات لا تخطر على البال،

واعلم ان اجمل ما في الايمان ان الانسان لا يسير وحده، هناك رب كريم يعلم ضعفه، ويرى دموعه، ويسمع دعاءه، ويعرف ما يخفيه قلبه،

فاطمئن، ما فاتك لم يكن لك، وما كتب لك لن يفوتك، وما اغلقه الله لن يفتحه احد، وما فتحه الله لن يغلقه احد،وما دمت تسعى بالحلال، وتحفظ قلبك من الحقد، وتؤدي ما عليك، وتترك النتائج لله، فثق ان القادم يحمل خيرا باذن الله.

لا تحزن على باب اغلق، ولا تبك على طريق انتهى، ولا تندم على انسان رحل دون ان تؤذيه، فقد يكون ما ظننته خسارة هو اجمل عناية الهية بحياتك، وقد تكون الطعنة التي اوجعتك هي نفسها التي انقذتك من عمر كامل من الوهم.

كاتب المقال النائب أحمد قورة عضو لجنة النقل والمواصلات بمجلس النواب السابق