الكاتب الصحفى محمد طرابية يكتب: حرية تداول المعلومات.. قانون لإنصاف المواطن والصحافة

المعلومة ليست رفاهية، والصحافة لا تستطيع أن تؤدي رسالتها كاملة من دونها، والمواطن لا يمكن أن يشارك بفاعلية في بناء وطنه إذا ظل يبحث عن المعلومة الصحيحة بين الشائعات والتكهنات، ومن هنا تبرز أهمية أن يصبح الحق في الحصول على المعلومات واقعا قانونيا واضحا، وليس مجرد نص دستوري ينتظر التفعيل،
ولسنوات طويلة، ظل الحديث عن حرية تداول المعلومات واحدا من الملفات المهمة التي ترتبط ارتباطا مباشرا بحق المواطن في المعرفة، وبقدرة الصحافة على أداء دورها الرقابي، وباحتياجات الباحثين وصناع القرار إلى البيانات الدقيقة، فكلما كانت المعلومة متاحة من مصادرها الرسمية، تراجعت مساحة الشائعة، وزادت قدرة المجتمع على الفهم والمشاركة والمحاسبة،
ومن هذا المنطلق، يأتي مشروع قانون حرية تداول المعلومات الذي تقدمت به النائبة مها عبد الناصر، عضو مجلس النواب، وحظي بتوقيع 60 نائبا، باعتباره محاولة لوضع إطار تشريعي واضح ينظم حق المواطنين والصحفيين والباحثين في الحصول على المعلومات والبيانات والوثائق الرسمية، تنفيذا للاستحقاق الدستوري الوارد في المادة 68 من الدستور،
القضية هنا أكبر من مجرد قانون جديد، فنحن أمام تشريع يمكن أن يعيد تنظيم العلاقة بين المواطن والمعلومة، وبين الصحفي والمصدر، وبين الباحث والبيانات، ويضع قواعد واضحة لمعرفة ما يجوز الحصول عليه، وما يستثنى لأسباب تتعلق بالأمن القومي والمصلحة العامة، وكيف يمكن التظلم عندما يتم رفض طلب الحصول على المعلومات دون سند قانوني،
المواطن اول المستفيدين من قانون المعلومات
حين يغيب المصدر الرسمي للمعلومة، تبدأ مساحة الشائعات في الاتساع، ويصبح المواطن فريسة للأخبار غير الدقيقة والتفسيرات المتضاربة،
والمواطن من حقه أن يعرف ما يتعلق بالخدمات العامة والمشروعات التي تنفذها الدولة والموازنات والسياسات والقرارات التي تؤثر في حياته اليومية، لان المعرفة الحقيقية هي الطريق إلى المشاركة الواعية، كما أن الشفافية تعزز الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة،
ولذلك فان وجود قانون واضح لحرية تداول المعلومات يمكن أن يمثل نقلة مهمة في تنظيم هذا الحق، من خلال تحديد الجهات المسؤولة عن توفير المعلومات، ووضع آليات واضحة لتقديم الطلبات، وتحديد مدد زمنية للرد، بما يمنع ترك الأمر للاجتهادات الشخصية أو اختلاف الإجراءات من جهة إلى أخرى،
الصحافة تحتاج إلى معلومة رسمية
أما الصحافة، فهي الأكثر احتياجا إلى هذا القانون، لان الصحفي لا يستطيع أن يقدم للرأي العام تحقيقا مهنيا أو خبرا دقيقا أو تحليلا موضوعيا من دون معلومات موثقة،
والمشكلة التي يواجهها الصحفي ليست دائما في غياب الرغبة في الحصول على المعلومة، وإنما في صعوبة الوصول إليها من مصدرها الرسمي، وهو ما قد يدفع البعض إلى الاعتماد على مصادر غير رسمية، أو تداول معلومات تحتاج إلى مزيد من التحقق، الأمر الذي ينعكس في النهاية على جودة العمل الصحفي وثقة القارئ فيما يقدم إليه،
ومن هنا فان وجود آليات قانونية واضحة للحصول على المعلومات يمثل دعما حقيقيا للصحافة المهنية، خصوصا أن المشروع تمت صياغته بالتنسيق مع مجلس نقابة الصحفيين، بما يفتح الباب أمام وضع قواعد أكثر وضوحا لتنظيم طلب الصحفي للمعلومة والرد عليه خلال مدة محددة،
والأهم من ذلك أن يحصل الصحفي على حماية قانونية أثناء ممارسة حقه المشروع في البحث عن الحقيقة، طالما التزم بالقواعد والضوابط التي يحددها القانون،
فالصحفي الذي يبحث عن معلومة موثقة لا يمثل خطرا على الدولة، وإنما يساعد في مواجهة الشائعة بالمعلومة، ويمنح المواطن فرصة لمعرفة الحقيقة من مصدرها،
المعلومة أساس البحث العلمي وصناعة القرار
ولا تتوقف أهمية القانون عند المواطن والصحفي، فالباحثون ومراكز الدراسات وصناع القرار في حاجة دائمة إلى بيانات دقيقة وحديثة،
فلا يمكن وضع سياسات ناجحة أو حلول واقعية للمشكلات اعتمادا على معلومات ناقصة، ولا يمكن للباحث أن يقدم دراسة متكاملة إذا كانت البيانات التي يحتاج إليها غير متاحة أو يصعب الوصول إليها،
ولهذا فان تنظيم تداول المعلومات يمكن أن يسهم في بناء بيئة أكثر اعتمادا على البيانات، ويدعم البحث العلمي، ويساعد مؤسسات الدولة على التخطيط بصورة أكثر دقة، بما ينعكس على مسيرة التنمية وصناعة القرار،
الأمن القومي له ضوابطه
وبقدر أهمية إتاحة المعلومات، فان حماية المعلومات التي ترتبط بالأمن القومي والمصالح العليا للدولة أمر لا خلاف عليه،
والتشريع الجيد هو الذي يحقق التوازن بين الأمرين، فلا يجعل الأمن القومي ذريعة لحجب كل المعلومات، وفي الوقت نفسه لا يجعل الحق في المعرفة بابا مفتوحا لإتاحة معلومات لا يجوز نشرها أو تداولها،
وهنا تأتي أهمية مشروع القانون في تحديد الاستثناءات والضوابط المتعلقة بالأمن القومي بصورة واضحة، حتى يعرف المواطن والصحفي والباحث حدود الحق، وتعرف الجهات الحكومية أيضا حدود مسؤوليتها في إتاحة المعلومات،
كما أن وجود آليات للتظلم من قرارات رفض طلبات المعلومات يمثل ضمانة مهمة، إلى جانب توقيع عقوبات على من يمتنع عن تقديم المعلومة دون مبرر قانوني، حتى لا تتحول النصوص إلى مجرد شعارات جميلة بلا آليات حقيقية للتطبيق،
مطلوب دعم نواب الصحافة والإعلام
وأعتقد أن نواب الصحافة والإعلام داخل مجلس النواب أمامهم مسؤولية مهمة في دعم هذا التشريع، فهم الأكثر إدراكا لمعاناة الصحفي في الوصول إلى المعلومة، والأكثر معرفة بأن الحصول على البيانات من مصادرها الرسمية ليس ترفا مهنيا، وإنما ضرورة لضمان صحافة قوية وموثوقة،
ومن الطبيعي أن يحظى مشروع القانون باهتمام خاص من هؤلاء النواب، وأن يعملوا على مناقشته وتطوير مواده بما يحقق المصلحة العامة، ويضمن للصحفي حقه في الحصول على المعلومات دون أن يتعارض ذلك مع القواعد التي تحمي أمن الدولة ومصالحها العليا،
إن دعم نواب الصحافة والإعلام لهذا القانون سيكون بمثابة رسالة واضحة بأن البرلمان يدرك أهمية تطوير البيئة التشريعية التي تعمل فيها الصحافة، وأن حرية تداول المعلومات أصبحت ضرورة تفرضها طبيعة العصر، وليس مجرد مطلب مهني للصحفيين،
من النص الدستوري إلى الحق الفعلي
في النهاية، فان حرية تداول المعلومات ليست قضية تخص الصحفيين وحدهم، وإنما قضية مجتمع بأكمله،
فالمواطن يريد أن يعرف، والصحفي يريد أن يتحقق، والباحث يريد أن يدرس، وصانع القرار يريد بيانات دقيقة، والدولة تريد مواجهة الشائعات بالمعلومات الموثقة،
ولهذا فان إقرار قانون متوازن لحرية تداول المعلومات يمكن أن يمثل خطوة مهمة نحو ترسيخ الشفافية وتعزيز الثقة بين الدولة والمجتمع، وتحويل المادة 68 من الدستور من نص يقرر الحق إلى واقع قانوني يستطيع المواطن والصحفي والباحث أن يمارسوه وفق قواعد واضحة،
نحن في حاجة إلى قانون ينصف المواطن قبل أن ينصف الصحافة، ويحمي حق المجتمع في المعرفة، ويمنح الصحفي الأدوات التي تمكنه من أداء رسالته، ويضع في الوقت نفسه الضوابط التي تحمي الأمن القومي والمصلحة العامة،
وهذا هو التحدي الحقيقي أمام مجلس النواب، أن يخرج قانون حرية تداول المعلومات إلى النور بصورة تحقق التوازن المطلوب، وتفتح الطريق أمام مرحلة جديدة تكون فيها المعلومة الرسمية متاحة لمن يستحقها، وفق
القانون، وبما يخدم الدولة والمواطن والصحافة معا،

